إقليميات
سراب الرخاء: هل تحرق "نار الحرب" مستقبل الخليج في 2026؟
تصدرت سيناريوهات 'الحرب الإقليمية الواسعة' أجندة مراكز الأبحاث والدراسات الدولية، في ظل احتمالات تنفيذ إدارة ترامب لتهديداتها بشن هجوم عسكري ضد إيران. وقد أنجزت هذه الدوائر تقارير محاكاة معمقة تستقرئ النتائج الكارثية لهذه المواجهة، مع التركيز على العمق الاستراتيجي لدول الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي، وصولاً إلى استشراف طبيعة التوازنات الدولية التي سيعاد تشكيلها فور توقف المدافع.

الهدوء الذي يسبق العاصفة النارية
في فبراير 2026، تبدو مدن الخليج في ذروة تألقها؛ حيث يعتمد ملايين السكان على تطبيقات "أوبر"، والخدمات البنكية الرقمية، وأنظمة التبريد الذكية لمواجهة القيظ. لكن خلف هذا البريق التقني، ترسم "ألعاب الحرب" (War Games) في مراكز الأبحاث الدولية سيناريوهات مروعة. هل تحولت هذه البنية التحتية العملاقة من مصدر قوة إلى "كعب أخيل" قاتل؟ وهل يمكن للحداثة أن تصمد إذا ما تحول النزاع الإقليمي من مجرد تهديدات إلى واقع يحرق الأخضر واليابس في أسبوع واحد؟
نضوب "الدروع": فخ المخزون في قواعد العديد والظفرة
تكشف محاكاة أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن عن ثغرة تقنية صادمة قد تغير وجه المواجهة. في سيناريو حرب "فبراير 2026"، تبرز أزمة "نقص الصواريخ الاعتراضية" (مثل Arrow وTHAAD) كفجوة أمنية حرجة. فكثافة النيران الإيرانية والوابل الصاروخي غير المنقطع قد يستنزف المخزونات الدفاعية في الأيام الأولى، مما يترك القواعد الحيوية مثل "العديد" في قطر و"الظفرة" في الإمارات مكشوفة تماماً أمام الهجمات المباشرة.
"حذرت المحاكاة من أن أي هجوم بلا إنذار سيؤدي إلى تدمير واسع في القواعد الأمريكية نتيجة نقص المخزون الاعتراضي أمام وابل الصواريخ، مما يجعل الاستراتيجية الدفاعية التقليدية في مهب الريح." — مارك كانسيان ودانيال بيمان (CSIS).
عطش المدن الذكية: عندما تتوقف "الجبيل" و"جبل علي"
يشير معهد "ستيمسون" (Stimson Center) إلى أن الحرب القادمة لن تقتل بالرصاص فحسب، بل بالعطش. في بيئة صحراوية تعتمد كلياً على التكنولوجيا، يمثل استهداف محطات تحلية المياه—وتحديداً محطتي "الجبيل" في السعودية و"جبل علي" في دبي—نقطة النهاية للحياة الحضرية. تدمير هذه المنشآت يعني تحول ناطحات السحاب إلى هياكل خالية غير قابلة للسكن في غضون أيام، مما سيجبر الحكومات على اتخاذ قرارات "إخلاء مدن كاملة" نتيجة انهيار أبسط مقومات البقاء البشري.
الانهيار الديموغرافي: رحيل الـ 25 مليوناً وشلل "العصب التقني"
يتناول المجلس الأطلسي (Atlantic Council) ووحدة الاستخبارات الاقتصادية (EIU) سيناريو "النزوح الجماعي الكبير". مع وجود أكثر من 25 مليون وافد، سيؤدي أول انفجار إلى حالة ذعر وطني تشل المطارات والموانئ. رحيل هذه الكفاءات فجأة سيعني توقف "العصب التقني" الذي يدير حياتنا اليومية؛ ستتوقف تطبيقات التوصيل، وتصاب المستشفيات بالشلل، وتنهار المنظومات البنكية والكهربائية التي تدار بخبرات دولية، مما يحول الرفاهية الرقمية إلى فوضى بدائية في ساعات.
عقيدة ويشلر: فخ "الإضعاف" ونهاية الردع
يحلل "ويليام ويشلر" من المجلس الأطلسي ثلاثة مستويات للمواجهة: (الفرض، الإضعاف، الإزالة). ويحذر من أن تبني استراتيجية "الإضعاف" (Degrade) سيحول المنطقة إلى ساحة استنزاف دائم، حيث يتطلب الأمر ضربات أمريكية متكررة كل 6 أشهر لمنع إعادة بناء الترسانة الإيرانية. هذا يتلاقى مع تحليل مؤسسة (RAND) حول سيكولوجية طهران؛ حيث منحها نجاة النظام من مواجهات 2025 قناعة بأن "البقاء هو النصر"، مما يدفعها لتفعيل "غرف العمليات المشتركة" مع وكلائها في العراق واليمن ولبنان لخوض حرب شاملة لا تعترف بقواعد الاشتباك السابقة.
السكتة القلبية للاقتصاد: البرميل بـ 250 دولاراً
وفقاً لتقديرات (S&P Global) و(Bloomberg Economics)، فإن إغلاق مضيق هرمز ولو لأسبوع واحد سيمثل "سكتة قلبية" للاقتصاد العالمي. لن تقتصر الخسائر على أرقام الشاشات، بل ستطال جيوب الجميع:
-
تسونامي أسعار النفط: قفزة فورية للبرميل نحو حاجز الـ 250 دولاراً.
-
تبخر الثروات: ضياع 2 إلى 5 تريليون دولار من الأسواق المالية في الأسبوع الأول.
-
فاتورة الدمار: خسائر البنية التحتية في المنطقة قد تتجاوز تريليون دولار، ما يعني محو ثمار عقود من التنمية والادخار الوطني.
سيناريو "حزام النار": الهجوم السيبراني الشامل
تحذر مؤسسة دراسة الحرب (ISW) من أن الصواريخ لن تكون السلاح الوحيد. سيناريو "حزام النار" يتضمن هجمات سيبرانية متزامنة تستهدف شبكات الكهرباء والمرافق الحيوية في الرياض، وواشنطن، وتل أبيب. الهدف هو إحداث حالة من "العمى السياسي" وفوضى اجتماعية شاملة تمنع القادة من اتخاذ قرارات عسكرية هادئة، بالتزامن مع إغلاق كامل لمضيق هرمز وباب المندب وتحويل ناقلات النفط إلى أهداف ثابتة في عرض البحر.
نظام عالمي يولد من الرماد
تجمع التقارير الاستراتيجية على أن هذه المواجهة لن تنتهي بـ "منتصر"، بل بمنطقة "محروقة" وفقدان طويل الأمد للثقة في الشرق الأوسط كمركز عالمي. وفيما تنزف واشنطن مواردها في هذا النزاع، تشير التوقعات إلى أن روسيا والصين ستكونان المستفيد الأكبر لفرض "نظام عالمي جديد" على أنقاض الاستقرار القديم، بينما تتدفق موجات هائلة من اللاجئين نحو أوروبا.
يبقى السؤال الذي يواجه الجميع في 2026: هل يمكن لإنجازات عقود من البناء والتطوير والمشاريع العملاقة بتريليونات الدولارات أن تصمد أمام أسبوع واحد من فشل الدبلوماسية أمام "غطرسة الادارة الاميركية"؟