بيروت
بحث
في المشهدمن بيروت، لكل العواصم.
أخبار · تفسير · ملفات متجددة
العودة إلى إقليميات
إقليميات

طوفان الأقصى - ومسار التحرر في غرب آسيا

تقدّم هذه الرواية حقيقة "طوفان الأقصى" الذي أطلق مسارًا تحرّريًا إقليميًا متدرّجًا، تتكامل فيه الساحات على مستوى الأهداف الكبرى، وإن اختلفت في ظروفها وأولوياتها وإمكاناتها وتوقيت انخراطها في المواجهة. وتقرأ الرواية أدوار فلسطين ولبنان واليمن والعراق وإيران، وما شهدته سوريا من تحوّلات

صورة تعبيرية لخريطة فلسطين وغزة وعملية الطوفان
مسار التحرر من الحدود والقيود ويب

شكّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 نقطة تحوّل استراتيجية دشّنت مرحلة جديدة من المواجهة، تجاوزت حدود الجغرافيا الفلسطينية لتطال مجمل غرب آسيا، وتعيد طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بموازين القوى الإقليمية والدولية، ومستقبل الوجود الإسرائيلي، والهيمنة الأميركية، ومسارات التحرّر في المنطقة. فمنذ انطلاق عملية "طوفان الأقصى"، لم تعد المواجهة محصورة في نطاق عسكري أو جغرافي محدّد، بل اتّسعت لتشمل ساحات متعددة، وتداخلت فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، في سياق صراع مفتوح على إعادة تشكيل النظام الإقليمي وقواعد القوة والنفوذ فيه.

وعلى امتداد ثلاثة أعوام من المواجهة، شهدت المنطقة تحوّلات عميقة طالت المفاهيم الاستراتيجية التي حكمت الصراع لعقود، وفي مقدّمها الردع والحسم والتفوّق العسكري والاستخباري والحروب الخاطفة. كما كشفت الحرب عن أنماط جديدة من الاشتباك، في ظلّ التطوّر المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي والمنظومات غير المأهولة والتقنيات العسكرية الحديثة، وما رافق ذلك من تحوّلات في طبيعة العمليات العسكرية وإدارة الجبهات. وفي موازاة الإنجازات العسكرية التكتيكية التي حقّقها الاحتلال وحجم الدمار والخسائر البشرية والمادية التي خلّفها، برزت إشكالية قدرته على تحويل تفوّقه الناري والتكنولوجي إلى حسم استراتيجي مستدام، في مواجهة قوى تعتمد على الاستنزاف والتراكم وإعادة بناء القدرات وتطويرها.

هذه الرواية تبيّن حقيقة «طوفان الأقصى» الذي لم يؤسّس لمجموعة من الحروب المنفصلة، بل أطلق مسارًا تحرّريًا إقليميًا متدرّجًا، تتكامل فيه الساحات على مستوى الأهداف الكبرى، وإن اختلفت في ظروفها وأولوياتها وإمكاناتها وتوقيت انخراطها في المواجهة. وتقرأ الرواية أدوار فلسطين ولبنان واليمن والعراق وإيران، وما شهدته سوريا من تحوّلات، بوصفها أجزاء من مشهد استراتيجي مترابط، تتفاعل فيه معادلات الإسناد والاستنزاف والردع والمواجهة المباشرة، وتُدار فيه الحرب وفق منطق تراكمي يتجاوز حسابات الربح والخسارة في كل جولة منفردة.

وفي المقابل، تتناول الرواية التحوّلات التي طرأت على الاستراتيجية الأميركية–الإسرائيلية، من محاولات احتواء التهديدات وإدارة الصراع إلى السعي لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر العمليات العسكرية الواسعة، واستهداف البنى القيادية والعسكرية، وتوسيع نطاق المواجهة. كما تبحث في حدود القدرة الأميركية على حماية منظومة نفوذها العسكري في المنطقة، ودلالات المواجهة المباشرة مع إيران، وانعكاسات التحوّلات في البحر الأحمر ومضيق هرمز على معادلات الأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي، فضلًا عن أثر الحرب في بنية المجتمع الإسرائيلي وتوازناته السياسية ومستقبل علاقاته بالقوى الغربية.

ولا تقتصر هذه التحوّلات على الميدان العسكري؛ إذ أفرزت الحرب، ولا سيما ما شهده قطاع غزة من دمار واسع ومعاناة إنسانية، تحوّلات في الرأي العام العالمي، وفتحت نقاشًا متصاعدًا حول شرعية السياسات الإسرائيلية وحدود الدعم الغربي لها، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام السياسي والإعلامي والأكاديمي والحقوقي الدولي. وبذلك، أصبحت المواجهة جزءًا من صراع أوسع على الوعي والشرعية والرواية التاريخية، إلى جانب الصراع على الأرض وموازين القوة.

رابط حلقة البودكاست التي شكّلت المادة الأساسية لهذه الرواية، اضغط هنا لمشاهدتها كاملةً والتوسّع في تفاصيلها

3 Years After Al-Aqsa Flood | Gaza, Lebanon, Iran & the Regional War | ثلاث سنوات في الطوفان

المفاهيم الكلية للحرب

الهجوم الأول في تاريخ الصراع

لم يكن السابع من تشرين الأول/أكتوبر مجرد يوم اندلعت فيه حرب غزة، فما حدث منذ ذلك التاريخ دشن مساراً تجاوز حدود فلسطين التاريخية، ليمتد إلى لبنان واليمن والعراق وإيران وسوريا، وصولاً إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة. وخلال هذه الحرب، تبدلت مفاهيم استراتيجية استقر استخدامها لعقود؛ كمفهوم الردع، والحسم، والتفوق العسكري، والحرب الخاطفة، ومناعة الجبهة الداخلية، والتفوق الاستخباري والتكنولوجي.

وقد يُطرح تساؤل حول انتقال زمام المبادرة من إسرائيل إلى خصومها، وما إذا كان يصح قياس ذلك على الهجوم المصري السوري عام 1973؛ والجواب: أن الفارق جوهري؛ إسرائيل حينذاك كانت تحتل أراضي سيادية لدول أخرى كسيناء والجولان، وكانت سيناء خالية من الاستيطان بينما شهد الجولان استيطاناً محدوداً. وبالتالي، كانت تلك العمليات تستهدف تحرير أراضٍ تقع خارج نطاق الوجود الإسرائيلي المباشر، وهذا هو الفارق الاستراتيجي الأساسي.

الحرب العسكرية/الثقافية/السياسية/الاقتصادية

لقد تحولت القضية الفلسطينية خلال هذه السنوات الثلاث إلى القضية العالمية الأولى، مبرزةً دقة الرؤية الاستراتيجية لمحور المقاومة التي أرسى دعائمها الإمام الخميني عبر إعلان "يوم القدس" وتكريس الالتزام المبدئي بفلسطين. وقد تطورت المواجهة لتصبح معركة شاملة؛ فهي عالمية ببعديها الثقافي والسياسي، ودولية ببعدها الاقتصادي، وإقليمية ودولية ببعدها العسكري إثر التدخل الأمريكي المباشر. كما استحوذت على الرأي العام العالمي بتركيز إعلامي غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، فرغم ضيق المساحة الجغرافية وتشتت الديمغرافيا الديموغرافيا الفلسطينية، فرضت القضية هيمنتها المطلقة على الوعي العالمي.

وتزامنت هذه الأبعاد المتشابكة مع طفرة تكنولوجية غير مسبوقة في التاريخ البشري، تجلت في توظيف الذكاء الاصطناعي، واستخدام الروبوتات، وتسيير الطائرات والزوارق والمدرعات المُسيَّرة، وهي تقنيات حديثة يحتكر الغرب ملكية أصولها الأساسية.

الحرب الإقليمية/الدولية

برزت تساؤلات جوهرية حول قدرة إسرائيل على خوض حرب متعددة الجبهات، ومدى إمكانية قوى المقاومة في تحويل حرب الاستنزاف إلى تغيير استراتيجي شامل. كما طُرحت تساؤلات حول انتقال إيران إلى صياغة معادلة ردع إقليمية مباشرة، ودلالات الصعود اليمني بعد سنوات من الحصار، ودور حزب الله في لبنان وموقع الولايات المتحدة في مواجهة أضحت قواعدها ومصالحها جزءاً لا يتجزأ من ميدانها. ويستدعي ذلك كله البحث فيما تبقى من بنية إسرائيل التي كانت قائمة قبل هذا التاريخ، وما أحدثته الحرب في بنيتها المجتمعية، ومؤسستها العسكرية، وعقيدتها الأمنية، بُغية قراءة هذه المواجهة كمسار تاريخي متصل لا كأحداث متناثرة.

ينطلق محور المقاومة من اعتبار فلسطين قضيته المركزية؛ إيماناً منه بأن زرع الكيان الإسرائيلي هو العلة الأساسية في تقسيم المنطقة وإضعافها. وعليه، فإن مشروع المحور يتلخص في التحرير الشامل واستعادة السيادة. ولذلك، مع اندلاع الحرب، أدرك الغرب وإسرائيل أن للمحور ارتباطاً عضوياً بها عبر التسليح، والتمويل، والتدريب، وتبادل المعلومات الاستخبارية، فصُنفت المعركة كحرب إقليمية للمحور وليست مواجهة معزولة في غزة. وانطلاقاً من هذه المسؤولية الشرعية والأخلاقية، تدخل المحور عبر جبهات الإسناد في لبنان والعراق واليمن، مما أدى إلى تداخل الأبعاد الجغرافية والهوية الإسلامية في مسارح عمليات متعددة.

وقد حافظ محور المقاومة على خطاب معلن طيلة أربعة عقود يؤكد فيه على المسؤولية الشرعية لتحرير فلسطين كبوابة للتحرر الشامل. وفي المقابل، رأت الإدارتان الأمريكية والإسرائيلية في تفعيل هذه الساحات تهديداً مباشراً لهيمنتهما، وهو ما تجلى بوضوح في السنة الأخيرة من المواجهة.

حرب الدائرة المتحركة والمسارات التراكمية

إن هذه الحرب أطلقت مسار تحرر إقليمي متدرج المراحل، تباينت فيه الساحات وطبيعة الحراك الميداني. فقد شكلت غزة الصاعق والمفجر لهذا المسار، لتتوالد حروب متعددة الأنماط انطلاقاً من تلك اللحظة. ورغم أن شرارتها بدأت بعملية محدودة جغرافياً، إلا أنها شكلت إعلاناً عن جهوزية قوى محور المقاومة للانخراط في هذا المسار التراكمي، وفق استراتيجيات تتواءم مع طبيعة كل ساحة. وعليه، فإن الأحداث الراهنة هي إفراز طبيعي لانطلاق هذا المسار، وليست مجرد تداعيات عرضية للحرب.

إن تعدد الجبهات أدى إلى استنزاف إسرائيل تدريجياً وبالنقاط، وأفشلها في تحقيق "الحسم". ففي غزة، ورغم إحداثها دماراً هائلاً وتكبيدها المقاومة خسائر فادحة، عجزت عن كسر إرادة القتال. وفي لبنان، خاضت أعقد حروبها دون أن تحسم المعركة. أما مع إيران، فقد أظهرت المواجهة انكساراً للاندفاعة الإسرائيلية، في مشهد يقارب تاريخياً انكسار الاندفاعة النازية نحو روسيا. إن تعدد الساحات واختلال موازين القوى أتاح خوض حرب استنزاف طويلة الأمد، وهو خيار كان سيتعذر على المقاومة الفلسطينية منفردة تحمله في ظل الحصار المطبق.

والنتيجة، إن مراجعة أداء المقاومة بعد هذه السنوات تظهر تراكم خبراتها الميدانية والتنظيمية المستفادة من ساحات الإقليم كافة، ورغم الفارق التقني والتكنولوجي الذي فرض أثماناً وتضحيات جسيمة، فإن التقدم في مسار التحرر ومشاغلة المنظومة العسكرية الأمريكية (سنتكوم) في المنطقة يسير وفق منحنى تصاعدي وتراكمي مستمر.

وفهم محور المقاومة بالتدريج أن إسرائيل تسعى لفصل الجبهات وعزل غزة لمنع تشتت قدراتها. ومع أن الرغبة الأساسية لدى المحور هي التخلص من الوجود الصهيوني على أرض فلسطين والتخلص من الهيمنة باعتباره واجباً دينياً وتاريخياً، إلا أن إدارة المعركة اتجهت لتكون معركة بالنقاط، كما أعلن بعد عشرين يوماً من السابع من أكتوبر، بحيث تتلاءم درجة المواجهة مع متطلبات الواقع ومسار التحرر التراكمي. ولم يكن محور المقاومة يريد الذهاب إلى حرب شاملة مع الغرب بأكمله دفعة واحدة؛ لأن نتائجها لن تحقق الأهداف المرجوة.

كان القرار هو خوض المواجهة بالتدريج والتراكم دون الدخول في تهديد الوجود المباشر، لا سيما أن الموقف الغربي الشعبي والسياسي والإعلامي في اللحظات الأولى كان منحازاً بالكامل للرواية الإسرائيلية ومبرراً لأي تدخل عسكري غربي.

وتعتمد خطة محور المقاومة لإضعاف إسرائيل على إضعاف الوجود الأمريكي في المنطقة كمقدمة أساسية. فالحرب التي بدأت في غزة تحولت إلى مواجهة مباشرة مع الأمريكيين، مما يثبت عجز إسرائيل عن الدفاع عن نفسها منفردة في مواجهة قوى المحور. وتتم إدارة هذه المواجهة بحذر وبخطوات متتالية نظراً لامتلاك العدو ترسانة نووية، حيث تستفيد قوى المحور من تبادل الأدوار وإراحة بعض الجبهات بينما يبقى العدو في حالة استنفار واستنزاف دائمين.

والخلاصة، أن الساحات تعمل وفق دائرة متحركة تتيح لها التعلم المستمر والترميم وتطوير التكتيكات العسكرية والتقنية، كما فعل حزب الله في لبنان خلال خمسة عشر شهراً، وكما فعلت إيران.

وقد يطرح تساؤل، إلى أي مدى يربك هذا التصور لمحور المقاومة المحور الإسرائيلي الأمريكي في كونه يبقى بحالة تأهب وجهوزية مستمرة، بينما تتفاعل ساحات محور المقاومة بشكل مختلف مع هذه الحرب؟

والجواب، إذا نظرنا إلى الخط البياني للحرب نرى إنجازات إسرائيلية كبيرة كنقاط على هذا الخط، لكن الآثار انقلبت على الأمريكيين ونتائج الحرب لم تكن في صالحهم. ففي اليمن نفذ الأمريكيون موجة استهدافات لشهرين واغتال الإسرائيليون قيادات يمنية، لكننا نرى الآن أن اليمن أصبح في مستوى متقدم جداً في المواجهة. وبالنسبة للعراق، فرغم وجود مخاطر وسيناريوهات بديلة للتأثير عليه، إلا أن الوجود العسكري الأمريكي يخرج بالتدريج الآن.

والنتيجة، بدأ الميزان ينقلب لغير صالح إسرائيل، ورغم أن الصدمات التي أحدثوها في المحور بنيوياً واستراتيجياً ذات تأثير كبير، إلا أن النتائج بالخط العام ليست في صالحهم.

التساؤل المطروح، هل تتحرك ساحات محور المقاومة ضمن استراتيجية واحدة، أم أنها جبهات متعددة تعمل كل منها وفق حساباتها الخاصة؟

والجواب، يتحرك المحور بأفق أهداف عليا ترتبط بالتحرر وتحرير فلسطين، لكن على المستوى الإجرائي هناك واقعية تحكمها إمكانيات كل ساحة، إضافة إلى أن لكل ساحة أهدافها التحررية الخاصة: - فاليمن يسعى لكسر الحصار. - وغزة تريد الخلاص من الاحتلال. - والضفة تسعى لإفشال مخططات الضم. - ولبنان يواجه التهديدات الإسرائيلية. - وإيران تسعى للتخلص من الحصار والعدوان. والخلاصة، على الرغم من اختلاف حيثيات كل ساحة، فإن جميع أفعالها تصب في إضعاف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

هل انتقل محور المقاومة من تعدد الجبهات إلى إدارة الجبهات؟

والرد على ذلك، إن التنسيق بين قوى المحور لا يعني خوض الحرب بشكل متزامن، نظرا للاختلال الهائل في موازين القوى التسليحية والتكنولوجية والمالية مع الكتلة الغربية.

والنتيجة: لذلك فإن توزيع برامج العمل وعدم المزامنة والاكتفاء بالمواجهة بالنقاط هو الخيار الممكن لتحقيق أهداف الحرب، لأن المخاطرة بجميع القدرات والساحات في لحظة واحدة كانت ستؤدي إلى نتائج أسوأ بكثير.

وعلى المستوى الميداني وإمكانية لجوء محور المقاومة إلى ضربات استباقية، فقد نفذت إيران عمليات استباقية وهجومية تجاه القوات الأمريكية في الأردن، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الصراع، وأظهر رد الفعل الأمريكي تحسن ميزان القوة لصالح المقاومة.

وقد يلجأ المحور في لحظة معينة إلى خطوات أوسع ارتباطاً بدرجة انخراط الجيش الأمريكي، وهذا التحرك يجري وفق تدارس وتنسيق مشترك بين قوى محور المقاومة، فغياب العمل المتزامن لا ينفي وجود تخطيط وتنسيق مشترك.

ما قبل الطوفان – المسار التاريخي والإرهاصات الأخيرة

تاريخياً، أطلقت المقاومة الفلسطينية انتفاضة الأقصى عام 2000، والتي تُوجت بفرض الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005. ومنذ ذلك الحين، شرعت المقاومة في بناء قاعدة جغرافية لتطوير قدراتها، وصولاً إلى السيطرة السياسية عام 2007، وتأمين خطوط الإمداد عبر الأنفاق، وتوطين الصناعات العسكرية. هذا التطور شكل تهديداً استراتيجياً دفع رئيس الوزراء رئيس وزراء حكومة الاحتلال الأسبق أرئيل شارون للتمني بأن يبتلع البحر غزة.

صعود التطرف اليميني الصهيوني

قبل عشية السابع من أكتوبر، طرأ تحول ديمغرافي داخل المجتمع الإسرائيلي أثر على موازين السلطة، إذ أدى ارتفاع معدلات الإنجاب لدى الفئات المتدينة والحريديم إلى متوسط سبعة أبناء في العائلة الواحدة إلى تعاظم وزنهم الانتخابي، وصعود تحالف اليمين المتطرف مع الصهيونية الدينية، مما أنتج صراعاً محتدماً بين النخب الغربية الأشكنازية العلمانية المؤسسة للدولة والشرائح الشرقية والدينية، وتجلى هذا الصراع في الاحتجاجات الواسعة ضد التعديلات القضائية التي سعت إلى تقليص صلاحيات القضاء وهيمنته التاريخية على قرارات الحكم.

ملاحظة: كان القضاء في إسرائيل ذا سلطة عالية وذا قدرة على التدخل في قرارات مجلس الوزراء، وممثلاً في كل وزارة يمنح الإذن ويمنع، وكانت هذه السلطة تشكل حاجزاً أمام تغيير بنية النظام ونقل مركز النفوذ لصالح الفئات الشرقية، وهذا ما فجر الاحتجاجات المتواصلة في الفترة التي سبقت طوفان الأقصى، حيث كان واضحاً وجود انقسام عميق داخل الكيان الصهيوني.

تنامي الانقسام داخل الكيان

أما بالنسبة للمسار الثاني، فهو شروع السلطة اليمينية في إنشاء دولة داخل الدولة، بالتزامن مع تصاعد الإجراءات المتطرفة ضد الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية والتنكيل بالأسرى، مع وجود توجه فعلي لتهجير أهل الضفة بالكامل، وهو مشروع معلن نصت عليه ورقة الحسم التي طرحها سموتريتش عام 2017، مستغلين حالة الضعف والتصدع الداخلي في المجتمع الإسرائيلي.

تطور قدرات محور المقاومة وتوسعه

عقب صدمة عام 2006 التي جاءت مباغتة، اتجهت المقاومة في لبنان إلى مسارين: أولهما الترميم السريع وتطوير حجم القوة القتالية، وثانيهما بناء معادلة ردع تشمل استهداف العمق بالصواريخ وتطوير خيار الدخول إلى الجليل رداً على أي احتلال. في المقابل، عاشت القيادة الإسرائيلية هاجس عقدة الثمانين عاماً والخوف من التفكك، وكان تركيزها الأكبر منصباً على لبنان لاتصاله الجغرافي بسوريا وامتلاكه ترسانة ردع صاروخية وازنة تحميه من سيناريوهات التدمير السريع.

الحروب الاقتصادية والثورات الملونة

ولم يكن محور المقاومة يعيش استقراراً قبل السابع من أكتوبر، بل كان في خضم معارك دفاعية، حيث تعرضت إيران لاضطرابات أمنية وحصار اقتصادي خانق، بينما خضع لبنان منذ عام 2018 لحرب اقتصادية وتجفيف مالي أدى إلى سحب عشرات المليارات من الدولارات بقرارات أمريكية، إلى جانب محاربة التهديدات في سوريا والعراق واليمن، مما جعل الدخول في معركة كسر الهيمنة خياراً ضرورياً لوقف مسار التآكل الداخلي وتصفية القضية الفلسطينية.

لماذا الطوفان؟ - لحظة المبادرة وعودة القضية الفلسطينية

فرصة المبادرة من غزة

أما فيما يخص دلالة التوقيت: فقد اختير في التخطيط العسكري والأمني وقت الأعياد اليهودية، استلهاماً لما جرى في حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973 (يوم الغفران)، استناداً إلى أن مؤسسات الكيان تكون في حالة شلل وانشغال تامين. فضلاً عن أن توقيت المرحلة كان مرتبطاً عضوياً بتصاعد الأحداث في الداخل الفلسطيني.

دوافع عملية طوفان الأقصى والإخفاق الاستخباري الإسرائيلي

كانت المؤشرات الميدانية جلية؛ إذ إن الاقتحامات الممنهجة للمسجد الأقصى، ومسيرات الأعلام الاستفزازية، والانتهاكات الجسيمة بحق الأسرى، وتصاعد وتيرة الاعتداءات في الضفة الغربية، ولّدت حالة من الغليان. وقد تفاقم هذا الوضع مع صعود اليمين الديني المتطرف إلى سدة الحكم، ممثلاً بشخصيات كبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وبنيامين نتنياهو.

لقد بات واضحاً وجود مشروع إسرائيلي وشيك لحسم الصراع جذرياً، يرتكز على تهجير فلسطينيي الضفة الغربية وفرض السيطرة المطلقة على المقدسات. وتزامن هذا المسار مع تسريب مقاطع مصورة توثق انتهاكات غير مسبوقة بحق الأسيرات، مما شكل دليلاً قاطعاً على النوايا الإسرائيلية. علاوة على ذلك، كشفت المعطيات اللاحقة عن مداولات داخل أروقة الاحتلال لاغتيال قيادات المقاومة في غزة. وفي ظل الانقسام الداخلي الإسرائيلي الحاد حول التعديلات القضائية، أدركت المقاومة أن حكومة الاحتلال ستلجأ حتماً إلى تصعيد خارجي لتصدير أزمتها الداخلية.

والخلاصة، أن المقاومة وجدت نفسها أمام استحقاق وجودي داهم، ولم تكن مبادرتها قفزة في الفراغ.

لقد كانت غزة الطرف الوحيد المؤهل للمبادرة العسكرية في محور المقاومة، نظراً لامتلاكها المشروعية الشعبية والوطنية الكاملة للاشتباك المباشر مع الاحتلال وكسر مخططاته في القدس والضفة، في حين لم تكن شعوب الساحات الأخرى متهيئة لخوض مواجهة ابتدائية مفتوحة ضد كيان يمتلك قدرات نووية، فكان من الضروري أن تبدأ الشرارة من الميدان الفلسطيني ثم تتدرج باقي الجبهات في الدخول تالياً.

العملية الاستراتيجية: الهجوم الجبهوي الأول في تاريخ الصراع

كان التقدير الأولي يشير إلى توقع ارتقاء نحو عشرة آلاف شهيد جراء الرد الإسرائيلي. بيد أن الفارق الجوهري الذي أربك الحسابات تمثل في الانهيار السريع لدفاعات الاحتلال وارتفاع خسائره البشرية؛ إذ لم يكن في الحسبان أن تُصاب الآلة العسكرية الإسرائيلية بشلل تام لأربع ساعات متواصلة، ناهيك عن أسر نحو 250 إسرائيلياً بين عسكري ومستوطن، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الكيان، مما جعل التقدير حتمياً بأن الرد سيكون تدميرياً وشاملاً.

وكانت القيادة العسكرية في غزة تهدف من العملية إلى تحطيم المنظومة الدفاعية لجيش الاحتلال، والسيطرة الكاملة على مواقع فرقة غزة، ونقل المعركة إلى عمق المستوطنات، مع تحقيق هدف استراتيجي بأسر عدد كافٍ من الجنود لإجراء صفقة تبادل تنهي ملف الأسرى الفلسطينيين، وإشعار المستوطنين بأن هذه المناطق قد تتعرض للاستهداف. وبهذا المقدار كان لديهم وضوح في حال قاتلوا منفردين ولم تحدث حرب جبهوية متزامنة من كل قوى المحور، أنهم يكونون قد حققوا هذا المقدار، وهو ما تحقق بالفعل.

التهديد الوجودي للكيان عبر كسر صورة التفوق

فيما يخص مستوى المفاجأة الاستخباراتية في السابع من أكتوبر، فإن الإخفاق الإسرائيلي انقسم إلى مسارين: - المسار الأول: إخفاق عسكري وميداني على مستوى فرقة غزة، حيث توفرت مؤشرات استخبارية قُرِئت بشكل خاطئ، وظنت القيادة الأمنية أنها مجرد مناورات سياسية للضغط أو تدريبات محدودة لا ترقى إلى مستوى الهجوم الشامل، فلم يُعلن الاستنفار الاستراتيجي. - المسار الثاني: إخفاق على المستوى السياسي، في ظل تقارير تفيد بوصول تحذيرات من أطراف إقليمية ومحلية لنتنياهو؛ مما يفتح الباب أمام احتمالين: إما وقوعه ضحية للتضليل الاستراتيجي الذي مارسته حركة حماس بإيهام العدو بانشغالها بالتنمية والاقتصاد، أو تعمده تجاهل التحذيرات لشن حرب شاملة توحد الداخل وتتيح له تطبيق خطة حسم الصراع وتهجير الفلسطينيين.

إطلاق مسار المواجهة الحتمية

إن مسار التحرر الإقليمي بات يشكل الأولوية القصوى للإدارتين الأمريكية والإسرائيلية، فالصاعق الذي انطلق في السابع من أكتوبر فجر معادلات الصراع في الإقليم بأكمله، وتتأثر به الاستحقاقات الانتخابية في كلا الطرفين. أما الشارع الإسرائيلي فيتطلع إلى حسم عسكري يحقق أهدافاً واقعية وينهي التهديدات، بعدما أدرك أن إطالة أمد الحرب أفرزت موازين قوى غير متوقعة ولم تجلب النصر المطلق الموعود، مما يراكم أخطاراً وجودية على مستقبل الكيان.

الاستجابة الاستراتيجية للعدو – الدفاع الوجودي والطفرة التكنولوجية والتسليحية

اسرائيل الجديدة من 2006 حتى 2023

وقد شكلت الحروب المتتالية على غزة (2008 و2014)، وما تلا حرب تموز 2006 وصدور تقرير لجنة فينوغراد، مسرحاً عملياتياً لتطوير بنية جيش الاحتلال، وتحديث عقيدته القتالية، وإعادة التنشئة النفسية لجنوده، فضلاً عن اختبار التكتيكات التعبوية والمنظومات الإلكترونية المستحدثة.

الشاهد التاريخي: وبالنظر إلى حرب عام 2006 ونتائج لجنة فينوغراد، فإن تلك الحرب لم تكن تهديداً وجودياً لإسرائيل، بل كانت تعبيراً عن فشل عسكري وسياسي في القرار الاستراتيجي بعد الدخول في مواجهة غير واضحة الأهداف لأجل أسيرين، ثم التورط في العملية البرية وحدوث الانكسار في وادي الحجير وغيرها. ورغم أن الخطأ كان في المستويات القيادية والاستخبارية العليا، إلا أن الجيش استخلص منها دروساً تكتيكية في إدارة العمليات وسلسلة الأوامر، مما أسهم مع تجارب غزة اللاحقة في تعديل بنية الجيش، ودمج الأسلحة، وتوظيف التكنولوجيا، وتغيير زخم القتال وفق الخطة التي وضعها رئيس الأركان الأسبق أفيف كوخافي.

خطاب الدفاع عن الوجود والاستعداد لدفع الأثمان

أما سيناريو الجبهات المتعددة: فقد كان حاضراً في أدبيات مراكز الأبحاث الإسرائيلية، ولكن على أساس مواجهات متفرقة غير متزامنة. ولم يكن هناك استعداد معلن لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد، نظراً لغياب التوقع بحدوث عملية بهذا المستوى من الدقة والاختراق. وبناءً على التقدير الموضوعي، فإن مواجهة مجتمع استيطاني متمسك بالأرض ويرى أنه لا يملك بديلاً عنها، توضح أن مسار الحرب يتطلب سنوات طويلة، فالدفاع عن الوجود بالنسبة للإسرائيليين أحدث تحولاً جذرياً في استعدادهم لتقديم الأثمان الاقتصادية والبشرية والعسكرية، والتخلي عن عقيدة الحسم السريع المعتادة، مما جعل المقاومة ومحورها يواجهان واقعاً مختلفاً كلياً عن معارك ما قبل عام 2000 أو عام 2006 في لبنان أو جولات غزة السابقة.

استرجاع الخطاب الديني والتاريخي

وتستند النظرة التاريخية لشعوب المنطقة إلى أن التحرر من الهيمنة الأمريكية مرتبط وجودياً بتحرير فلسطين. فما دام الكيان قائماً، سيبقى تأثيره ممتداً لفرض الهيمنة على دول المنطقة كافة. وقد تأسست إسرائيل في العقل الاستراتيجي الغربي لتكون ثكنة عسكرية متقدمة تقاتل لمئات السنين دفاعاً عن سردية دينية وتوراتية مزعومة، ولن تنسحب طوعاً كما فعل الاستعمار الفرنسي في الجزائر. لذا، تُعد إزالة هذا الوجود الصهيوني المدخل الإلزامي لإسقاط الهيمنة الغربية.

التحول من الحروب القصيرة إلى الحرب الطويلة المتعددة الساحات

تساؤل محوري: انطلاقا من ثلاث سنوات من المواجهة، هل لا تزال إسرائيل تملك قواعد الحرب والتأثير في المنطقة؟

الجواب: تلقت إسرائيل صدمة هائلة بعد دخولها على المسرح الإيراني، تماماً كما حدث تاريخياً في اندفاعات عسكرية كبرى بدأت بالتراجع حين فتحت جبهات غير محسوبة. والإسرائيلي حين يقاتل حركات مقاومة تمتلك قدرات أقل منه يحاول تحقيق إنجازات، لكنه لا يملك ضمانات للنجاح إذا خاض حرباً منفردة ضد إيران أو ضد المحور بأكمله. ففي الأربعين يوماً الأولى من المواجهة المتزامنة كان الإسرائيلي ضعيفاً جداً في الساحة اللبنانية رغم الانخراط الأمريكي الكامل مع إيران، وإذا حارب منفرداً في مواجهة جبهات متزامنة فإنه سيتعرض لانهيار كبير.

الطفرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي

التحليل الاستراتيجي: أما قراءة الإخفاقات التي أصيب بها الجيش الإسرائيلي في السابع من أكتوبر، فعلى مستوى التحليل السياسي جرى انتقاد السيناريوهات التي كانت تعرضها شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، إذ عُطِّل هذا القسم وأُضعف لأسباب سلطوية داخلية، وجرى الاعتراف بذلك لاحقاً في المستويات العليا، بالإضافة إلى عملية التضليل الاستراتيجي الناجحة جداً التي قادتها حركة حماس. فالإخفاق الأساسي هو إخفاق في المنظور الاستراتيجي، أما على المستوى العسكري فلو كانت لديهم جاهزية قتالية في تلك اللحظة لما نجحت العملية، إذ نجحت بفعل التضليل، فلو كانت الطائرات المسيرة مستنفرة ومسلحة في الجو في لحظة العبور لما استطاع أحد تجاوز السياج إلا بصعوبة بالغة.

تدفق الذخائر الغربية

ولا تستطيع إسرائيل الاستمرار في وجودها دون المظلة العسكرية واللوجستية والسياسية الأمريكية، فأمريكا هي الراعي والمسلح والمسيطر على البيئة الإقليمية المحيطة. وإذا كفّت واشنطن عن التدخل أو قلّصت دعمها التسليحي، فإن وجود إسرائيل يتعرض لتهديد مباشر. ومع أن إسرائيل تحاول الالتفاف على أي تراجع محتمل في التمويل الأمريكي المباشر عبر استثمارات خاصة في مصانع السلاح الغربية، إلا أن انشغال أمريكا بملفات كبرى مثل الصين أو روسيا أو أزماتها الداخلية يضعف الموقف الإسرائيلي.

ملاحظة: تجدر الإشارة إلى أن الدعم المالي السنوي المقدم لإسرائيل والمقدر بثلاثة مليارات دولار يعد ضئيلاً مقارنة بالناتج القومي الأمريكي البالغ عشرين تريليون دولار، أو بتكاليف حرب العراق التي بلغت ثلاث تريليونات دولار، لكن التحولات السياسية والانتخابية القادمة في الداخل الأمريكي قد تفرض مساراً مختلفاً.

التدمير العمراني الشامل والإبادة

وكانت السيناريوهات السابقة للحرب تفترض أنه في حال اندلاع حرب كبرى على الأرض الفلسطينية قد تتدخل جيوش أوروبية أو عربية مباشرة، ولكن هذا الاحتمال تقلص مع الوقت، كما لم يكن من المتوقع أن تقدم إسرائيل على ارتكاب هذا الحجم الهائل من الجرائم التي أدت إلى عزلها دولياً وإلحاق الضرر بموقعها الأخلاقي والسياسي.

التدخل العسكري الغربي الرادع والتهديد النووي

المفارقة: ولم تستطع إسرائيل إبقاء الحرب داخل غزة؛ لأن انطلاق جبهات الإسناد بدءاً من لبنان ثم اليمن فالعراق، حتم عليها فتح هذه الجبهات وعدم حصر المعركة في غزة فقط، فباتت إسرائيل تستنزف في كل الجبهات بشكل متزامن، مع تركيزها الأكبر على غزة. أما استعادة التوازن، فقد ذكر بلينكن أنه عندما وصل إلى فلسطين المحتلة في اليوم الثالث والتقى بالقيادات الإسرائيلية، وجد حالة انهيار شامل، حتى إن نتنياهو اتصل ببايدن وأبلغه أنه إن لم تحضر حاملات الطائرات والقوات الأمريكية فوراً فقد لا يجدون إسرائيل في اليوم التالي، لوجود هاجس كبير من هجوم إقليمي شامل. ولذلك تمت استعادة التوازن بفضل الحضور العسكري والسياسي والدبلوماسي والإعلامي الأمريكي والغربي الواسع، وزيارات القادة الغربيين المتتالية، مما وفر غطاء لإسرائيل لخوض الحرب بتركيز أساسي على غزة دون الاستغراق الكامل في باقي الجبهات بشكل متزامن.

برنامج التدخل والاسناد – ضوابط وحيثيات الساحات

لبنان المبادر الأول – الحرب بالنقاط وضوابط التصعيد

وينطلق قرار المقاومة في لبنان بإسناد غزة من النظرية الكلية بأن الحرب حتمية بين محور المقاومة من جهة والأمريكي والإسرائيلي وحلفائهم من جهة أخرى. وأي حركة مقاومة تقرر مواجهة قوى مهيمنة تفوقها قدرة بعشرات المرات، تكون متصالحة مع فكرة دفع الأثمان الباهظة، إذ لا يمكن خوض حرب تحررية دون توقع خسائر كبرى. فمن اتخذ قرار المقاومة منذ عام 1982 وفي مختلف المحطات كان يدرك تماما أنه يواجه قوة متفوقة عسكرياً وتكنولوجياً.

وشكل قرار الإسناد خطوة ضرورية؛ لأن القضاء على القضية الفلسطينية يمس جوهر وجود المحور وفكرة التحرر من أساسها، إذ لم يكن من الممكن التكيف مع مسارات التفكيك الاقتصادي والثقافي والسياسي التي يسعى العدو لفرضها لاختراق العمق وإنهاء مشروع التحرر، فكان لا بد من خوض المواجهة لمنع تصفية القضية.

والخلاصة: أن حرب الإسناد اللبنانية حققت أهدافاً استراتيجية تمثلت في الآتي: - تثبيت الانخراط في مسار التحرر الإقليمي المنطلق في السابع من أكتوبر. - ترسيخ مصداقية المقاومة وجهوزيتها لدفع الأثمان التزاماً بشعاراتها. - تقديم نموذج عملي لكسر حواجز الانفصال القومي والمذهبي عبر التضحية لأجل قضية وشعب آخر، مما يعزز المسار التراكمي لحركات التحرر في المنطقة.

أما على المستوى الميداني لفترة الإسناد السابقة لتاريخ 27 أيلول 2024، فقد نجحت المقاومة في استدراج ثلاث فرق عسكرية إسرائيلية نحو الجبهة الشمالية واستنزافها بشرياً وتقنياً، ووضع الاحتلال تحت تهديد دائم. ورغم أن هذا الإسناد لم يوقف الحرب على غزة بسبب خطط الحسم المسبقة لدى الاحتلال، إلا أنه واجه تحولات العدو العسكرية والتكنولوجية وكشف جزءاً كبيراً من بنك أهدافه قبل اندلاع المواجهة الشاملة.

وقد يُشكل: بأنه لم يكن متوقعاً بشكل كبير أن تؤدي حرب الإسناد إلى وقف الحرب على غزة.

والجواب: أن هناك دافعين رئيسيين لدى الإسرائيليين في التعامل مع القطاع: - أولاً: وجود تهديد خطير جداً بنظرهم وتعبئة كبرى لمواجهته. - ثانياً: وجود خطط مسبقة لحسم الصراع وارتكاب هذه المجازر في غزة، وإيقاف ذلك من خلال عمليات في الأطراف أو عمليات في الشمال لم يكن أمراً ممكناً.

العراق  واليمن -  حصرية الدور الجغرافي والتنوع الداخلي

اليمن دخل في مسار خاص به وله تأثير إقليمي ودولي، وإيران تتجهز للمواجهة إذا حدثت أي تطورات، والعراق شهد إخراج الأمريكيين نتيجة استهداف قواعدهم بشكل مكثف خلال الحرب. ولا تزال إيران تلعب دور الرادع والمسلح والمنسق بين هذه القوى، بينما ترتاح غزة من الحرب وتهيئ نفسها للمواجهة، إضافة إلى حالة الضفة الغربية التي تعيش مرحلة ما قبل الانتفاضة.

ايران الداعم الخلفي – الرادع والمسلح والممول

فإن قيل: هل تأخرت إيران في الدخول في الحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؟

قلنا: التأخر أو التقدم يعود إلى مدى اقتناع الشرائح المختلفة داخل إيران بأن دفع الأثمان الكبيرة في حرب مع أمريكا أمر حتمي. فلا تستطيع القيادة السياسية والعسكرية في بلد تعددي وفيه انتخابات أن تتخذ قرار الحرب دون توافق شعبي، تجنباً للوقوع في أزمة داخلية أثناء المعركة إذا عارضها جزء كبير من الشعب.

وقد يطرح إشكال آخر: لو أن إيران دخلت بشكل مبكر في مواجهة أمريكا، هل كان بإمكانها تجنيب ساحات المقاومة، خصوصاً في لبنان، هذا العدوان الإسرائيلي؟

والجواب: لم تدخل إيران الحرب بقرار مبادر منها لوجود فرص التفاوض. وما ساهم في نجاحها بضرب القدرة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية هو تموضعها في موقع الدفاع، حيث حدث الهجوم أثناء التفاوض واستهدف رأس الدولة، وتراكمت الاعتداءات السابقة مما وحد المزاج الشعبي الإيراني. وهذا التوحد هو الذي سمح للقدرة العسكرية بالانتقال من التقييد إلى الفعل، فالمبادرة وحدها لا تكفي ما لم تكن ضرورية ومبررة لدى عموم الشعب لتضمن النجاح.

انتقال العدو إلى الهجوم – الصدم والترويع والتوسع

التحضيرات المسبقة للعدو خلال عقدين

كشف بوب وودورد في كتابه الأخير عن كواليس المباحثات بين نتنياهو وبايدن، مبيناً أن نية نتنياهو الأولى بعد هجوم غزة كانت نقل الثقل العسكري وتوجيه الضربة الأساسية نحو لبنان، إلا أن التدخل الأمريكي أخر تلك الخطوة. فالاحتلال كان يرى منذ انسحاب عام 2000 أن تحرير الجنوب دشن مرحلة التراجع الاستراتيجي لإسرائيل، ولذلك أعد عدوان عام 2006 لفرض معادلة ردع وقضاء على المقاومة، وظلت الجبهة اللبنانية تمثل الأولوية في حساباته قياساً بجبهة غزة.

أطروحة اسرائيل الكبرى ودرجاتها

المشكلة: أما بخصوص مشروع “إسرائيل الكبرى” وهل سقط وانتهى، فقد انطلق المشروع باندفاع كبير شمل غزة والضفة ومناطق من لبنان وسوريا، لكن خريطة المشروع تقتضي درجات سيطرة مختلفة في سوريا والأردن والسعودية جغرافياً وليس بالضرورة حضوراً عسكرياً مباشراً شاملاً.

والنتيجة: استشعار شعوب المنطقة ودولها بالخطر والمناخ الدولي أسهم في كبح هذا الاندفاع. وعلى المستوى العسكري لم تعد لإسرائيل القدرة على تحقيق هذه الخريطة، وباتت تذهب إلى مخاطرة في سوريا، فوُضعت حدود للمشروع متمثلة في المناطق العازلة، حيث تنضبط إسرائيل ضمنها منتظرة الفرص، لكن تراجع الوجود الأمريكي يجعل التوسع أصعب وتقدم المحور أسهل.

إضاءة: وفيما يتعلق بالعلاقة بين “إسرائيل الكبرى” والمناطق العازلة، فإن مصطلح المناطق العازلة يعبر عن مفهوم أمني وخوف إسرائيلي، لكنه عملياً يتضمن ضم الأراضي عبر التدمير الممنهج للتراث والعمران والهوية كما في لبنان وغزة. وفي الضفة يجري تجريف شامل، أما في سوريا فالامتداد مستمر وقد يتجه لضم الأراضي لعدم وجود حدود نهائية للكيان. والنخب الإسرائيلية تستحضر دائماً مقولات توراتية حول دمشق والجولان لتبرير التوسع السياسي والجغرافي.

والأصل التاريخي: أن فكرة “المنطقة العازلة” قديمة لدى الكيان الصهيوني، بدأت منذ عام 1978 ثم في اجتياح عام 1982 الذي استهدف إخراج القوات الفلسطينية، ورغم خروجها أقاموا “الحزام الأمني” الذي استمر ثمانية عشر عاماً ولم يندحروا إلا بجهود وتضحيات المقاومة، وبالعودة إلى وثائق الوكالة اليهودية نجد أن جنوب لبنان حتى نهر الأولي كان يُعد جزءاً من أطماعهم التوسعية؛ لما يتمتع به من وفرة في المياه وأراضٍ زراعية صالحة لإقامة السدود، وهي مشاريع وُضعت مخططاتها الهندسية قبل عام 1940.

والحاصل: أن الإجراء الإسرائيلي القائم حالياً في الجنوب هو إجراء أمني يستبطن مشروع قَضْم أراضٍ كما تعكس الخرائط الصادرة عن وزارة خارجيتهم، أما الحديث عن مشاريع ومناطق اقتصادية وازدهار بوصفها بديلاً للمقاومة فطرح غير واقعي؛ لأن السياسة الإسرائيلية لا تستهدف التنمية ولا الإبقاء على الوجود السكاني، بل تقوم على الضم الفعلي ومحو الهوية العمرانية والتاريخية للقرى، وهذا المشروع مصيره الفشل في ظل المتغيرات الإقليمية التي تمنع إسرائيل من تثبيت قواعد اشتباكها وفرض مناطقها العازلة.

والواقع: أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران لم يكن لينفصل عن تداعيات طوفان الأقصى؛ فالعقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر انتقلت من إدارة التهديدات إلى استراتيجية الاجتثاث الشامل وتعديل موازين القوى الإقليمية، وتعد إيران المركز الحاضن للقدرات الصاروخية والنووية وحركات المقاومة، مما جعل استهدافها خياراً حتمياً في الحسابات الصهيونية.

التحولات الثقافية والسياسية العالمية – عزلة الكيان وانكشافه

التحول في صورة المظلومية الصهيونية (الهولوكوست)

إضاءة: وقد خسرت إسرائيل حرب الصورة على مستوى الرأي العام العالمي في غزة، وهو أمر يقر به نتنياهو نفسه، إذ دارت اجتماعاته مع صناع المحتوى والشركات الإعلامية في أمريكا حول هذا التحدي الكبير والإخفاق الميداني، ورصدت مئات ملايين الدولارات لمعالجته.

تحرك النخب والشباب والشعوب

والنتيجة: أن المزاج الانتخابي العام في أغلب الدول الأوروبية بات يعتبر دعم إسرائيل خطيئة وسقوطاً أخلاقياً بسبب حرب الإبادة، مما جعل ملف غزة جزءاً أصيلاً من الدينامية الانتخابية والسياسية الداخلية للغرب. وقد فشلت البرامج الإعلامية وحروب المنطقة الأخرى في صرف الأنظار عن الجريمة الإسرائيلية، وتجلى ذلك الدعم الشعبي أيضاً في تسيير أساطيل كسر الحصار المتكررة نحو غزة.

التحول في المؤسسات الأكاديمية

الشاهد: وقد أسهم الشتات الفلسطيني مع قوى يسارية واتجاهات فكرية في الجامعات في تشكيل حراك دولي واسع، حيث أُنجزت نحو خمسة آلاف دراسة جامعية حقوقية حول ما جرى في غزة خلال السنة الأولى. وهذا الزخم صب في المسارات الانتخابية الغربية، والنخب الحاكمة في الغرب تتأثر بحسابات الانتخابات تحت وطأة هذا التحريض والاحتجاجات.

التحول في العمليات التداولية الإعلامية الدولية

تساؤل: وحول ما إذا كان مشروع “إسرائيل الكبرى” مشروعا عسكرياً أم سياسياً واقتصادياً كرؤية ترامب بتحويل غزة وجنوب لبنان وسوريا إلى مناطق اقتصادية، وتوظيف اتفاقات أبراهام لتهيئة المنطقة؟

الجواب: إن الرأي العام العالمي تحول جذرياً ضد إسرائيل خلال هذه الحرب، وذلك لتزامنها مع طفرة تكنولوجية وإعلامية وانتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي. واعتماد الذكاء الاصطناعي العسكري على الاتصالات في غزة منع إسرائيل من قطع البث، فتحولت هذه التقنية إلى تهديد إعلامي وسياسي لإسرائيل كشف حجم الإبادة الجماعية المباشرة التي يبثها الجنود والضباط.

والخلاصة: تحولت المعركة العسكرية إلى معركة ثقافية وسياسية عالمية في ظل محرمات السياسة الدولية التي عُرضت صورها مباشرة أمام الجمهور الغربي والعالمي دون وساطة اللوبي الصهيوني.

المحكمة الدولية وأوامر الاعتقال

المشكلة: وفي مسألة تأثير التظاهرات الغربية على ملاحقة نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية، فقد حدث تقويض كبير للوبيات وتراجعت الحماية الدولية والقانونية لإسرائيل.

والنتيجة: قد يكون نتنياهو هو كبش الفداء لمعالجة هذه المشكلة، ففي حال تغيرت موازين القوى وأصبح هناك اضطرار لدى الغربيين لإيجاد توازن أو تهدئة أو نظام إقليمي مستقر في المنطقة، فقد تكون هناك ضرورة لمحاكمة قادة إسرائيل، وهذا الأمر يعود إلى موازين القوى في المقام الأول.

تنبيه: أما بالنسبة للعالم العربي والإسلامي وإمكانية تحريكه لدعاوى قضائية ضد قادة إسرائيل أمام المحاكم الدولية، فهو يستطيع تقديم الشكاوى والطلبات، لكن تبقى الاستجابة مرهونة بمدى فاعلية هذه المحاكم المعرضة لعقوبات وضغوطات وتقييدات أمريكية تجعلها شبه معطلة. لذلك تبقى الوسيلة الأخرى لمعاقبة إسرائيل هي طريق القوة والممارسة المباشرة من قبل قوى المقاومة.

التأثير في الانتخابات والمواقف السياسية والتسليح

حتى إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح بأن الدفاع عن إسرائيل أصبح سبباً للخسارة الانتخابية، وبات المرشحون الجمهوريون يتجنبون اللوبي الإسرائيلي علنا لتبرئة أنفسهم، وصولا إلى تصريحات نائب الرئيس الأمريكي دي جي فانس التي حملت إسرائيل مسؤولية توريط واشنطن وتخريب التفاهمات، مما يؤكد فشل المسعى الإسرائيلي حتى داخل الحزب الجمهوري.

إن الاحتجاجات الشعبية الغربية باتت تشكل ضغطاً حقيقياً يهدد الدعم المقدم لإسرائيل، ومع التغيرات المتوقعة في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية وسيطرة الحزب الديمقراطي على المجلسين، قد تقر قوانين تحد من التدخل العسكري المباشر لحماية إسرائيل وتقلص الدعم التسليحي.

التحول في العلاقات الأمريكية الصهيونية

لذلك وضعت إسرائيل خططاً واستثمارات بديلة لإيجاد مصادر تسليح وتمويل لا تعتمد كليا على الضرائب الأمريكية، تزامناً مع تراجع نفوذ منظمة “إيباك” في توجيه القرار السياسي الأمريكي، تشهد الساحة الأوروبية انقسامات متزايدة تجاه إسرائيل، حيث تتخذ إيرلندا موقفاً متقدماً، في حين تقف العقدة التاريخية في ألمانيا حائلاً دون التحول السريع.

نموذج حزب الله في ثلاثة جولات كبرى – ظهور راية الحق والتضحية والقيام بعد الصدمة

جبهة لبنان: من حرب الإسناد إلى المواجهة الجبهوية الشاملة

وبالنظر إلى المشهد اللبناني خلال ثلاث سنوات، فإن حرب لبنان تأتي في سياق صراع طويل ومتواصل مع إسرائيل والبرامج الأمريكية الهادفة لتقويض المقاومة، متقاطعة مع مسارات اقتصادية واستخبارية وتكنولوجية التقت جميعها عام 2024 بعد سبعة عشر عاماً من التحضير المتبادل. وتعد هذه الحرب مفصلية لكونها نقلت المقاومة من التكتيكات المحدودة القديمة إلى خوض حرب جبهوية هجومية ضد جيش نظامي، وأسفرت في سنتها الأولى عن تهجير مائتين وخمسين ألف مُسْتَوْطِن من الجليل، مما مَسّ التراث الاستيطاني الصهيوني الأول القائم في تلك المنطقة منذ العهد العثماني، وحول المعركة إلى مواجهة نارية وبرية مباشرة على الحدود اللبنانية الفلسطينية.

ولم تكن المقاومة تخطط لبناء خط دفاعي فقط، بل كان تفكيرها هجومياً على المستوى العسكري منذ عام 2006، بانتظار توافر الظرف السياسي والجهوزية الإقليمية المتزامنة. وقد انشغلت خلال تلك الفترة باستحقاقات داخلية وإقليمية، بدءاً من الصراع السياسي الداخلي وصولاً إلى اتفاق الدوحة عام 2008، ثم مواجهة المشاريع الأمريكية والمدنية حتى عام 2015، وصولاً إلى الحرب في سوريا التي وإن فرضت أثماناً إعلامية وانكشافاً أمنياً، إلا أنها طورت البنية العسكرية للمقاومة ونقلتها إلى مستوى إدارة تشكيلات قتالية كبرى واستخدام ناري واسع بالتعاون مع جيوش كلاسيكية.

وقد وضعت هذه العمليات إسرائيل في حالة توتر دائم، وكان لاحتمال التحول في القرار اللبناني والانتقال إلى حرب واسعة أثر كبير. وفي المقابل، كانت حرباً صعبة جداً على المقاومة في لبنان لأنها دخلت في سياق تحول إسرائيل وانتقالها إلى الدفاع الوجودي، وتلقيها دعماً أمريكياً هائلاً بالذخائر، مما أدى إلى إفراط في استخدام النيران. كما كان هناك عدو يتغير في قدراته وطفرته التكنولوجية، وهو ما ظهر تدريجياً في الساحة اللبنانية عبر الاغتيالات وعمق القصف وبنك الأهداف الذي تكشف تدريجياً حتى أيلول.

الثورة في الشؤون العسكرية – الاستهداف البنيوي المتسارع

وانتقل الجهد والتركيز العملي للمقاومة إلى الداخل اللبناني مع وقوع هجوم أجهزة النداء (البيجر)؛ إذ لم تعد المقاومة تفكر في وقف الحرب على غزة بل انتقلت إلى إدارة معركتها المباشرة. وفي المقابل، قرر الجانب الإسرائيلي في 14 أيلول نقل الثقل العسكري والتوجه شمالاً نحو لبنان، فكان هجوم أجهزة النداء بمثابة ضربة افتتاحية للحرب كان مخططاً لها أن تطال عشرين ألف جهاز، غير أن ارتياب المقاومة في الأجهزة عجل في قرار الحرب ونقل الثقل الإسرائيلي إلى الجبهة اللبنانية. ويستمر نتنياهو في استحضار هذه العملية واغتيال القادة لإبقائها حية واستثمارها في خطابه السياسي النمطي؛ نظراً لكونها عملية غير مسبوقة تقنياً وأمنياً وإجرامياً.

استشهاد القائد وظهور راية الحق

وعلى المستوى المعنوي، مثل استهداف سماحة السيد (رضوان الله عليه) النقطة الأكثر تأثيراً ونقطة الانعطاف الكبرى في الصراع وتجاوزاً للخطوط الحمراء. أما على المستوى العملياتي، فكان تجميد القدرات عبر 1400 غارة جوية في 21 أيلول على مداخل المنشآت الصاروخية هو العامل الأساسي الذي مهد للاغتيال دون رد مكافئ مباشر في حينه.

سيل الشهداء وثبات مجتمع المقاومة

وفيما يخص حرب الستة والستين يوماً في عام 2024، فإن تدمير البنية الصاروخية واغتيال القادة كان يمثل حلماً لإسرائيل، غير أن هدفها الاستراتيجي المعلن المتمثل في إنهاء حالة المقاومة ومنعها من إعادة الترميم قد باء بالفشل؛ إذ لم تتمكن إسرائيل من استثمار إنجازاتها التكتيكية، بل تمكنت المقاومة من الصمود وخوض أطول مواجهة برية في تاريخها، وإعادة ترميم بنيتها الأمنية والتنظيمية.

وكان يفترض في الحسابات العسكرية التقليدية أن تنهار المقاومة بعد تحييد نحو ثلاثة آلاف كادر عبر أجهزة النداء، واغتيال القيادة العليا، واستهداف المنشآت بألف وأربعمائة غارة خلال عشرة أيام.

ولكن المفارقة: أن روح المقاتلين والوعي الشعبي بوجود تهديد وجودي دفع نحو الصمود والمواجهة البرية ومنع العدو من التمركز، مما اضطره للانسحاب نحو الحدود بعد انتهاء المواجهة. وعلى الرغم من الغارات الإسرائيلية على مداخل المنشآت الصاروخية واستهداف الكوادر العارفين بمواقعها، إلا أن تحصين المخازن مكّن المقاومة من استعادة السيطرة المعلوماتية واستئناف إطلاق الصواريخ نحو العمق الإسرائيلي طوال مدة الحرب.

حرب الترميم – الإنجاز التاريخي والقيام بعد الشهادة

توقفت حرب عام 2024 نتيجة تضافر عدة عوامل: - استنزاف الجيش الإسرائيلي في غزة وتراجع نسب الالتحاق في قوات الاحتياط بنحو 25% مع نقص في العديد البري. - التعويل الإسرائيلي على التطورات الجارية في سوريا. - الضغوط الأمريكية لإنهاء الحرب للاستفادة من سقوط الجبهة السورية كبديل للضغط على المقاومة، وهو ما رسخ رسالة المقاومة بعدم الخضوع رغم حجم الخسائر والتضحيات.

وبالانتقال إلى حرب عام 2026، التي استأنفتها إسرائيل ضد لبنان، نجد أن المقاومة خلال مرحلة الترميم بين الحربين قدّمت خمسمئة شهيد خلال 15 شهراً لترميم قدراتها وتطويرها والاستفادة من دروس حرب عام 2024، وكانت إسرائيل تخطط لمعالجة المعضلة البرية لعزل الجليل عن لبنان عبر تدمير القرى والبلدات الحدودية، ورغم وجود خَلل في التقدير والقرار الإسرائيلي عام 2024 أوقف اندفاعتهم، إلا أن ذلك منح المقاومة فرصة لإعادة التموضع ورفع الجاهزية.

وحول دعوى تراجع قوة حزب الله، منذ انخراطِه في حرب الإسناد؛ فإن التحليل الموضوعي يشير إلى خوضه تحولات جوهرية على المستويين البنيوي والتكتيكي في خضم معركة الاستنزاف التراكمية، وما أُنجز بين الحربين وفي طور الترميم يُعد نقلة نوعية غير مسبوقة؛ فالمقاومة لم تسعَ إلى حسم معارك التحرير والردع بضربة قاضية واحدة، على غرار مسارها التاريخي الممتد بين عامي 1982 و2000، بل واكبت تطوراً بنيوياً بمعدل تعلم يفوق التراكم الإسرائيلي الذي استغرق سبعة عشر عاماً لإعداد مواجهة أيلول عام 2024، في حين استطاعت المقاومة خلال خمسة عشر شهراً التحول من استيعاب صدمة التدمير الشامل إلى إدارة مواجهة جبهوية كلاسيكية استمرت 105 أيام في مواجهة جيش يعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات والمسيرات والدعم التسليحي الأمريكي غير المحدود.

والحاصل، أن المقاومة اللبنانية ما تزال تمثل ركيزة استراتيجية لمحور المقاومة تستند إلى اعتبارات حاكمة، منها:

- امتلاك الخبرة الميدانية الفريدة في خوض حرب برية ضد أحدث الأنماط التكنولوجية والتكتيكية للجيش الإسرائيلي.

- نقل التجربة الأمنية المستفادة من معالجة الخرق التكنولوجي والأمني لعام 2024 إلى سائر ساحات المحور.

- القدرة الفائقة على استعادة البناء الهيكلي والتنظيمي للكوادر وترميم القيادات بمرونة عالية.

- تقديم نموذج عقائدي في الصمود يبرهن على إمكانية استئناف القتال من تحت الأنقاض رغم فداحة الخسائر القيادية والبنيوية.

- الأهمية الجيوبولتيكية لخط التماس المباشر مع الأراضي المحتلة، مما يمنحها وزناً نوعياً لا غنى عنه في إدارة الصراع.

الحرب المشتركة والقتال المنفرد في العصف المأكول

السياق العملياتي: كانت المقاومة في لبنان تتعرض لاغتيالات يومية وضغوط سياسية وحصار ومحاولات استهداف لقياداتها في بيروت، وكان من الطبيعي أن تبحث عن فرصة لمواجهة هذا العدوان بالاستناد إلى ظهير إقليمي كلاسيكي بعد تحول المعركة إلى طابع كلاسيكي، ولذلك تلاقت مصلحة المقاومة مع التوقيت الإيراني لشن المواجهة لوقف التغوّل والعدوان المستمر على لبنان.

وقد تجلى التنسيق المشترك في العمليات الصاروخية المساندة للمقاومة في لبنان، مع وجود تباين طبيعي في الأولويات تفرضه طبيعة المسرح الإقليمي والاشتباك مع الوجود الأمريكي، إذ يختلف الدافع الأمريكي القائم على السعي للسيطرة على الموارد والنفط عن الدافع الإسرائيلي القائم على الصراع الوجودي ومحاولة التدمير الشامل، إضافة إلى الانقسام الداخلي الأمريكي وغياب التأييد الشعبي للحرب، حيث بلغت نسبة المعارضة الشعبية 70% وتصل في بعض استطلاعات الرأي إلى 80%.

والمفارقة هنا: وجود اختلال بنيوي في الحسابات السياسية للحرب لدى الأمريكيين، بينما يوجد في إسرائيل إجماع على ضرب إيران، وبالتالي تختلف معادلة الصراع، والأمر الآخر هو أن بنية القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) المنتشرة في المنطقة لحماية إسرائيل بدفاعاتها الصاروخية، فإن ضربها يُعد مقدمة رئيسية لأي حرب مع إسرائيل، وذلك يشمل سائر الطبقات الدفاعية الموجودة في الأردن وسوريا والعراق ودول الخليج وفي البحر، وبالتالي برزت أولوية تحييد الأمريكيين عسكرياً عبر تقويض الدفاع الصاروخي وسياسياً عبر تقييدهم وفصل مراحل الحرب، وهذا ما جعل الإيرانيين يوازنون بين استهداف القوات الأمريكية واستهداف إسرائيل؛ نظراً لحجم الانتشار الأمريكي المحيط بهم من كل جانب، لذلك لم تكن الحرب التي وقعت في شهر رمضان مركزة أساساً على إسرائيل، بل كان تركيزها منصباً على البنية الحاملة لها، وإذا سُمع بنبأ استهداف إيران لمعسكر في الأردن، فينبغي أن يُفهم بأنه استهداف لمنشأة تخدم أمن إسرائيل؛ لكون تلك القواعد تندرج ضمن منظومة الدفاع عنها، وبذلك تفرع التحرك الإيراني إلى مسارين:

- مسار غير مباشر: تمثل في تقويض البنية الإقليمية الحامية للاحتلال.

- مسار مباشر: تمثل في الاستهداف الناري المباشر لمواقع الاحتلال.

وهنا يُطرح السؤال: لماذا أوقفت إيران الحرب في 08/04 بينما واصلت إسرائيل حربها على الجبهة اللبنانية؟

والجواب: أن إيران بلغت في 08/04 على المستوى العسكري ذروة العمليات، وكذلك الجانب الأمريكي، على غرار التوقف الذي أعقب جولة تموز وأدخل عناصر جديدة، فمفهوم "الحرب بالنقاط" يقتضي إحداث التغيير الاستراتيجي تدرجاً وتراكماً لا بضربة قاضية واحدة، وخلال هذا المسار التدريجي تُدفع الأثمان بمقدار راديكالية التغيير المنشود، وبالنظر إلى مجريات المواجهة الإيرانية والتوصل إلى التفاهم، تبرز قراءة مغايرة للمشهد اللبناني؛ إذ لم تتوقف الحرب هناك بل واصل الاحتلال عدوانه مع تعديل تكتيكاته، مخلّفاً نتائج معقدة باحتلال مناطق واسعة من جنوب لبنان وتدمير البنية التحتية ومحاولة فرض منطقة عازلة، وهو مشروع مستمر حتى اللحظة.

فإن قيل: هل كان هناك تنسيق بين قيادة المقاومة والقيادة الإيرانية؟ ولماذا لم يشمل مرحلة ما بعد اتفاق نيسان؟

قلنا: إن إيران رسمت خطاً تصاعدياً، ودخلت في إسناد لبنان بفارق نوعي بين الإسناد الرمزي الذي أعقب اغتيال الأمين العام بضربة صاروخية، وبين فرض معادلة ردع تمنع الاحتلال من استهداف لبنان خارج النطاق العملياتي وسلبه حرية الحركة التي حظي بها سابقاً، وكان المؤمّل أن تتضمن ورقة التفاهم بنداً بالانسحاب الإسرائيلي، غير أن هذا المطلب لم يكن قابلاً للتحقق بمجرد الضغط على الأمريكيين لرفض الجانب الإسرائيلي له، لا سيما بعد حصوله على غطاء سياسي من السلطة اللبنانية عبر اتفاق الإطار وفصل المسارات، وكانت الاستراتيجية اللبنانية-الإيرانية المشتركة قد ثبتت خطوطها حتى تاريخ 08/04 قبيل توغل القوات الإسرائيلية نحو أطراف بنت جبيل في التاسع أو العاشر من نيسان.

أما عن موقف الدولة اللبنانية: فمع اقتراب الضربة ضد إيران في شهر شباط وقبل يوم 28/02، أُخطرت السلطة في لبنان بوجود عمل عسكري وشيك، وقد أقر وزير الاقتصاد لاحقاً بعلمهم بالأمر مسبقاً بشهرين، كما كانت الأجهزة الرسمية وهيئة الرئاسة على دراية بجولة التصعيد القادمة وسعت لعزل الساحة اللبنانية، وتلقت السلطة -كما أُبلغت أطراف خليجية- تقديرات بأن المعركة لن تتجاوز أربعة أيام يعقبها نزع سلاح المقاومة دون صدام مباشر لافتراض حتمية سقوطها، ولذلك بادرت الحكومة فور انخراط المقاومة إلى إصدار قرار الثاني من آذار وتوصيف المقاومة بالخروج عن القانون، وبنت سلوكها السياسي طوال الحرب الممتدة لـ 105 أيام على فرضية تلاشي الثقل السياسي والاجتماعي للمقاومة، مما صعّب عليها التراجع بعد أن ربطت تموضعها بهذه الحسابات.

والشاهد: أن الأمر لم يكن مجرد رضوخ للإملاءات الأمريكية، بل تقاطع مع مصلحة ذاتية لهذا الفريق السياسي الذي أفرزته تحولات عام 2024، إذ يرى في المقاومة وبيئتها مشروعاً نقيضاً لتوجهه الممتد منذ عقود، وهو تيار ينفي وجود أطماع إسرائيلية في لبنان -كما صرح رئيس الجمهورية علناً- ويحصر الأزمة في سلاح المقاومة، وهو استمرار لنهج تاريخي برز أثناء الاحتلال قبل عام 2000 بصدور قرارات حكومية متكررة لنزع السلاح في أعوام مثل 1990 و1995.

ورداً على مسألة الصدام الداخلي: فإن المقاومة تتجنب فتح جبهتين بالتزامن مع غياب الصدام الميداني المباشر، كما أن المتغيرات الجيوسياسية الإقليمية لا تصب في صالح هذا الفريق سواء في التموضع الأمريكي أو في ساحتي اليمن وسوريا، ومثال ذلك: إذا شُبّه الاحتلال بالنار وهؤلاء بالدخان المتصاعد منها، فإن إخماد النار يُبدد الدخان تلقائياً؛ إذ لا يُقاتَل الدخان بل يُوجّه الجهد نحو مصدر الاشتعال، وتلك هي القاعدة الحاكمة لسلوك المقاومة وخطابها السياسي بحيث لا تكون الأولوية للصدام الداخلي باعتبار هؤلاء مجرد نتاج لإفرازات الاحتلال.

وفيما يخص المسار التفاوضي: الذي خاضته السلطة اللبنانية مع الكيان الصهيوني، فلا يمكن توصيفه بالمفاوضات الحقيقية، بل هو اتفاق أحادي يمثل إذعاناً لإملاءات تتقاطع مع مصالح سلطة ترى تموضعها الطبيعي في تعاظم القوة الإسرائيلية، إذ راهنت تلك السلطة على الدور الأمريكي لتقويض بنية المقاومة، مطالبة واشنطن بالضغط لتحقيق انسحاب رمزي ولو من قرية واحدة، وهو ما لم يتحقق البتة.

استنزاف جيش الاحتلال وتحطيم اسطورة الحسم

لبنان الآن في مرحلة تعلم جديدة؛ لأنه خاض لأول مرة حرباً جبهوية كلاسيكية أو شبه كلاسيكية، في أطول حرب في تاريخ لبنان امتدت مئة وخمسة أيام. ومع المتغيرات التقنية والعسكرية الجديدة، تحارب المقاومة في لبنان جيش روبوتات بشكل أساسي لتصل إلى القوات البشرية في مرحلة أو درجة أخرى من المواجهة، وهذه التجربة تطورها على هذا الأساس، حيث استخدمت المقاومة تكتيكات وأسلحة جديدة استكشفت أهميتها خلال المعركة، وهي تستفيد من ذلك الآن.

إشكال آخر: هل يمنح استهداف القادة وتدمير القدرات العسكرية والاقتصادية إسرائيل أفضلية حاسمة أو انتصار؟

الجواب: حققت إسرائيل إنجازات عملياتية غير مسبوقة وتدميراً واسعاً للبنية العسكرية، لكنها غير قادرة على منع إعادة الترميم.

والمفارقة: أن هذه العمليات تُسَرِّع قدرة التعلّم والتطوير لدى المقاومة في غضون أشهر معدودة، متجاوزة ما تعلمته إسرائيل من عام 2006 إلى عام 2020. فسرعة التعلم نتيجة المخاطر وانكشاف التكنولوجيا الإسرائيلية ارتفعت بشكل كبير جدا في محور المقاومة.

والحاصل: أن إسرائيل حققت إنجازات ولكنها أولاً غير قادرة على استثمارها سياسياً بتحويلها إلى نتائج حاسمة وإخضاع حركات المقاومة ودولها، وثانيا هي غير قادرة على منع المقاومة من التعلم والتطوير والترميم، وبالتالي نرى في كل جولة أن المقاومة تتغير وقدراتها تتطور في اليمن وإيران ولبنان، ولاحقا سنرى ذلك في فلسطين.

ملاحظة: أما بالنسبة لقدرة هذه الإمكانات على الحسم مع إسرائيل، أو على الأقل إعادتها إلى حدودها الداخلية دون شن غارات نحو لبنان واليمن وإيران، والحديث عن كبح إسرائيل ودخول المقاومة مرحلة ردع الأمريكي والإسرائيلي، فإن هناك ردعاً نسبياً موجوداً لكن إمكانية تجدد الجولات قائمة. فبين الجولات يتحقق ردع نسبي، حيث لا نعيش في لبنان الآن ما كان يحدث بين الحربين من اغتيالات يومية بلغت 500 اغتيالاً خلال 15 شهراً، وحتى في إيران تُسْتَهْدَف السفن في مضيق هرمز دون أن يرد الأمريكي.

تنبيه: الردع بين الحروب مهم للترميم والتعبئة النفسية، والأهم هو المسار العام للحرب وإلى أين تتجه النتيجة الكلية، وهل تتراكم لصالح محور المقاومة أم لصالح إسرائيل. فإسرائيل تحصد إنجازات عسكرية استراتيجية واغتيالات لقادة لكن ذلك لا يكفي، والدليل تجدد المواجهات، كما أن استشهاد القائد في إيران أحدث تفويضاً سياسياً وعسكرياً وثورياً هائلاً، مما جعل للأعمال الإسرائيلية آثاراً عكسية.

أما الساحة اللبنانية، فإن تراكم الخبرات على مدى خمسة عشر شهراً يتيح للمقاومة تطوير التكتيكات القتالية والارتقاء إلى نمط عملياتي متقدم، كما أن التبدلات في المشهد السوري تخدم المقاومة على المستوى النظري، وتعد تجربة معارك المئة وخمسة أيام وما رافقها من استخلاص للدروس نقلة كيفية لم تكن قائمة قبل اندلاع الحرب.

الحرب الأمريكية/الصهيونية على إيران – التحول العميق في غرب آسيا

تجربة حرب حزيران والاخفاق الاستراتيجي

أما عن المرتكز العقائدي للدور الإيراني، فإن مساندة القضية الفلسطينية تنطلق من نصوص الدستور والتكليف الشرعي المقيد بمناهضة الاستكبار والطغيان، فالخصومة ليست مع وجود دولة تسمى الولايات المتحدة، بل مع الهيمنة الاستكبارية والعدوان المتجلي في الأبعاد الثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والأمنية، والعسكرية؛ ومتى ما زالت هذه الهيمنة انتفت علة الصراع.

الشاهد التاريخي، إن الانطلاق الفعلي للدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية دُشن مع انتصار الثورة الإسلامية وإحلال سفارة فلسطين مكان السفارة الإسرائيلية عام 1979، وكانت إيران حينها تفتقر للإمكانات المالية والتسليحية في ظل تحديات أمنية واضطرابات حدودية، غير أن التزامها المبدئي سبق العمليات العسكرية للمقاومة اللبنانية عام 1982، وتكرس عبر زيارة ياسر عرفات لطهران ولقائه الإمام الخميني، ليمتد الأثر الفكري والتعبوي إلى الحركات الإسلامية كافة في المنطقة والعالم.

فإن قيل، هل اتخذت طهران من نصرة القضية الفلسطينية أداة لتحصيل مشروعية أيديولوجية وترسيخ نموذجها السياسي الشيعي؟

فالجواب، لو اضطلعت الدول الإسلامية بمسؤولياتها الشرعية والسياسية والأخلاقية لتوزعت أعباء المواجهة، غير أن إيران تحملت بمفردها كلفة باهظة تمثلت في حصار اقتصادي واستهداف أمني وعسكري وافتراءات إعلامية استمرت أكثر من أربعة عقود، نظير تمسكها باستئصال الوجود الصهيوني ورفض الهيمنة الغربية ونصرة حركات التحرر بمعزل عن الحسابات المذهبية الضيقة.

وفيما يخص طبيعة الشراكة في عملية طوفان الأقصى، فإن طهران شريك بنيوي أساسي في إرساء وتطوير القدرات العسكرية والتسليحية في غزة ولبنان واليمن والعراق وسوريا، أما التفاصيل الإجرائية وتوقيت القرار وسياقاته التنفيذية، فالمعطيات الراهنة تثبت وجود إحاطة بالتوجه العام نحو عمل هجومي أو عملية أسر دون الاطلاع على ساعة الصفر والتخطيط التفصيلي، وإن كانت على دراية كاملة بحجم التشكيلات العسكرية التابعة لحركة حماس، والتي قُدرت بنحو 1200 مقاتل من قوات النخبة و45 ألف مقاتل في التشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية.

المحطات الخمس للعدوان على إيران:

- المحطة الأولى: ضربة 12 حزيران واستهداف منظومات القيادة.

- المحطة الثانية: العمليات الإرهابية الواسعة وزعزعة الأمن الداخلي في أواخر عام 2025.

- المحطة الثالثة: حرب شهر رمضان والمواجهة المباشرة.

- المحطة الرابعة: الجولات المحدودة المتعاقبة ومنها جولة تموز العسكرية. - المحطة الخامسة: الحصار الاقتصادي والبحري الخانق المفروض حالياً.

عنصر المفاجأة في ضربة 12 حزيران: لم تكن المفاجأة في أصل القرار العسكري أو توقيته العام، بل تمثلت في اتساع بنك الأهداف العملياتية، وآلية تنفيذ الاغتيالات واستهداف منصات الدفاع الجوي والصاروخي عبر الدمج بين الضربات الجوية والمسيرات والعمليات الأمنية الداخلية، الأمر الذي حرر إيران لاحقاً من القيود السياسية وضاعف وتيرة تطوير قدراتها العسكرية.

العملية الارهابية الكبرى والتحول في الرأي العام

أما في حرب شهر رمضان: فلم يكن عنصر المباغتة قائماً، بل توفرت جهوزية كاملة وحشود عسكرية مسبقة وخطط للرد الصاروخي على استهداف القيادات، حيث بوشر بالرد وتدمير منظومة من القواعد الأمريكية في المنطقة في غضون ساعات قليلة من وقوع الاغتيال.

وكان هذا الاستهداف متوقعاً ومحل تداول دائم في التحليلات السياسية والإعلامية؛ إذ كانت فرضية استهداف القيادة السياسية العليا وقائد الثورة واردة في الحسابات الاستراتيجية، مما استدعى جهوزية شاملة للتعامل مع هذا السيناريو، وهو ما تجلى في المبادرة بعد ساعات وجيزة من الاغتيال إلى استهداف حزمة واسعة من القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة.

وقد يُشكل: ألمتكنلدىإيرانالقدرةعلىتفادياغتيالقائدها؟

والجواب: أن ما رشح لاحقاً من معطيات أكد اتخاذ القائد قراراً حاسماً بالبقاء في المقر الرسمي لقيادة الثورة رغم المخاطر الأمنية المحدقة.

الإخفاق العميق في التقديرات الأمريكية والاسرائيلية

وعن تقييم نتائج العدوان، وما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة قد حققتا أهدافهما الاستراتيجية؛ فالحاصل: أن الاستهداف التكتيكي للمنشآت بالقصف الصاروخي والجوي قد وقع بالفعل، غير أن الأهداف السياسية الكبرى سقطت بالكامل، وتتمثل في: - تعطيل البرنامج النووي الإيراني أو استئصال بنيته التحتية. - القضاء على الترسانة الصاروخية الإيرانية. - فك الارتباط البنيوي بين إيران وحلفائها في محور المقاومة. - إسقاط النظام السياسي أو إرغامه على تعديل سلوكه الاستراتيجي.

ملاحظة، إن الإقرار بإخفاق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية لا يقتصر على الموقف الرسمي لطهران، بل يعكس إجماعاً واسعاً بين الخبراء والمحللين الغربيين والإسرائيليين؛ حيث أجمعت تقارير صادرة عن مراكز أبحاث دولية متخصصة على عجز واشنطن عن تحقيق غاياتها المعلنة بوضوح في مستهل الحرب.

وفيما يخص المسعى الإسرائيلي لإسقاط النظام في إيران، فإن القراءة الاستراتيجية تؤكد عجز الكيان الصهيوني، حتى بشراكة أمريكية كاملة، عن بلوغ هذا الهدف. لقد أفضت الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على استهداف القيادات العليا والتصعيد الصادم في شباط وحزيران إلى نتائج عكسية تماماً، حيث عززت التماسك الداخلي وأحكمت وحدة القرار السياسي والعسكري في مواجهة التحديات الاقتصادية؛ وهو ما دفع الخبير الإسرائيلي في الشؤون الإيرانية داني سيترينوفيتش إلى الإقرار بسقوط نظرية إسقاط النظام وضرورة مراجعة المقاربة الإسرائيلية تجاه طهران بصورة جذرية.

استشهاد القائد وقيام أمة – تحرير ايران وانطلاق الفعالية

المفارقة التاريخية، أن النظام السياسي في إيران يشهد أعلى درجات التماسك وسرعة التنسيق؛ إذ شكل ارتقاء قائد الثورة في خضم العملية التفاوضية دافعاً لتعزيز الوحدة الوطنية وتثبيت خيار المواجهة الرادعة. وتدار القرارات المصيرية عبر آلية مؤسساتية توافقية تشارك فيها مختلف الأجهزة السيادية، مع دور محوري ووازن للقائد الجديد في توجيه البوصلة الاستراتيجية للدولة.

الحرب على الاقتصاد الغربي واستعادة المنطقة لدورها

والنتيجة، أن إخفاق هذه الأهداف أفرز واقعاً جيوسياسياً جديداً ضاعف من فاعلية الموقف الإيراني في اتجاهين: - توظيف ورقة الممرات المائية، وتحديداً مضيق هرمز، كأداة ضغط وعقوبات مضادة في وجه القوى الغربية والدول المنخرطة إقليمياً. - تمتين الجبهة الداخلية وكشف جوهر التوجهات الأمريكية؛ إذ أسهم استئناف العدوان أثناء مسارات التفاوض، مصحوباً بالتصريحات المعلنة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الاستحواذ على الموارد النفطية الإيرانية، في إنهاء أي تردد أو التباس داخلي حول حقيقة النوايا الغربية.

وحول الحرب الاقتصادية، في ظل تعثر الخيارات العسكرية، اتجهت الإدارة الأمريكية إلى تشديد الحصار الاقتصادي لعزل طهران. إلا أن السيطرة الإيرانية المحكمة على مضيق هرمز لأكثر من ستة أشهر قوضت الأهداف الأمريكية، وثبتت مكتسبات مرحلة ما بعد الحرب المتمثلة في عوائد الرسوم والتعويضات غير المباشرة. ومع عجز واشنطن عن حسم الميدان البحري، تراهن حالياً على تفكيك الجبهة الداخلية وإثارة النزعات الانفصالية، في حين تكرس طهران معادلة ردع عملية تتيح لها شن ضربات استباقية وضبط التوازن الإقليمي.

تقويض بنية السنتكوم والإخفاق التكنولوجي والدفاعي للجيش الأمريكي

هل إعادة انتشار القوات الأمريكية وسحب قواعدها من منطقة الخليج، وإعادة التمركز في الأردن وداخل الكيان الإسرائيلي، هي من نتائج السابع من أكتوبر أم ما بعده؟

قلنا، إن عملية السابع من أكتوبر أطلقت مسار التحرر وأعطته مشروعية تراكمت في جبهات محور المقاومة، حيث انتقل المحور من الإسناد الهجومي إلى موقع الدفاع، واكتسب مشروعية كبرى. ورأينا كيف استطاعت إيران في حالة الدفاع استهداف البنية العسكرية الأمريكية بشكل واسع، وهو جزء أساسي من مسار التحرر الإقليمي. فما يحصل ليس مجرد تداعيات مباشرة لعملية عسكرية، بل هو تفعيل لخطة تحرر شاملة والعمل عليها، مثلما أن التدمير الإسرائيلي في غزة ليس مجرد رد فعل بل هو تنفيذ لمشروع الحسم المسبق.

وقد يشكل البعض، هل إعادة الانتشار الأمريكي في المنطقة يعد تراجعا وهزيمة أمريكية، أم استعدادا لجولة جديدة؟

والجواب، كل ذلك صحيح؛ فهناك هزيمة عسكرية كبيرة وغير مسبوقة منذ سقوط السلطنة العثمانية، إذ تتعرض بنية الاحتلال على المستوى الإقليمي لسلسلة استهدافات تشكل فشلا عسكريا ذريعا في تحقيق أهداف الحرب. وهناك تراجع وإعادة تموضع لأن هذه القواعد أصبحت مكشوفة، وفشل نظام الدفاع الصاروخي وغياب التحصينات وفقدان الكفاءة يفرض عليهم الخروج منها. وهذا قد يساعدهم في حال خوض جولة جديدة بحرا، لكن الترويج لدخول الحرب عبر حاملات الطائرات والقوى البحرية لن يمنحهم فرصة كبيرة للنجاح، في ظل تطور الصواريخ الإيرانية المخصصة لهذه المواجهة.

أما عن الدلالة العسكرية لإعادة انتشار القوات الأمريكية وسحب منظوماتها من الخليج نحو الأردن والعمق الإسرائيلي: فالتحليل يبيّن، أنه يمثل تراجعاً اضطرارياً ناتجاً عن إخفاقات عملياتية؛ إذ بدأ الانكفاء بإخلاء جزئي للقواعد في العراق وسوريا لتفادي الخسائر غير المجدية، ثم تطور بعد تدمير عدد من المنشآت الحيوية وفقدانها لكفاءتها القتالية. ورغم أن هذا التموضع قد يخدم نظرياً خيار شن هجمات بحرية، إلا أن الاعتماد على حاملات الطائرات بات محفوفاً بمخاطر عالية في ظل التطور النوعي للصواريخ البحرية الإيرانية وتجارب استهدافها في البحر الأحمر من قبل القوات اليمنية. فضلاً عن ذلك، فإن الدفاعات الصاروخية المتمركزة في الأردن أثبتت محدودية فاعليتها؛ حيث باتت الصواريخ الإيرانية تعبر المسافات الإقليمية دون اعتراض فعال بعد تقويض رادارات الإنذار المبكر في الخليج والعراق.

والخلاصة، أن إعادة بناء هذه القواعد تستلزم عقيدة دفاعية مستحدثة وأفقاً زمنياً طويلاً لمعالجة الخلل البنيوي أمام الصواريخ الدقيقة، مما يرفع تكلفة أي مغامرة عسكرية مقبلة ويزيد من احتمالات تعثرها.

ولادة الردع الإيراني الممتد

إن ما بين نهاية حرب رمضان في الثامن من نيسان/أبريل ثم جولة تموز/يوليو هو تعلم تقني وعسكري وتكتيكي مهم جداً. وما تقوم به المقاومة الآن من تطوير صواريخ خاصة لاستهداف حاملات الطائرات هي تجارب تجري بالفعل، فهناك تعلم وتطوير يحدث داخل هذه الجبهات، وهناك تبادل للخبرات والمعلومات والتجارب، وتوزيع للعبء زمنيا بحسب ظروف كل ساحة.

وفي المقابل؛ تمثلت مكاسب إيران الاستراتيجية في عدة مرتكزات:

- تثبيت حقها الميداني وقدرتها على توجيه ضربات دقيقة للبنية العسكرية الأمريكية وتعطيل فاعليتها العملياتية.

- تكريس سيطرتها الفعلية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وانتزاع اعتراف أمريكي ضمني جعل هذا الملف محوراً للتفاهمات الإقليمية والدولية. - إثبات الكفاءة التكنولوجية في اختراق منظومات الدفاع الجوي الأمريكية وتدمير منصاتها.

- توظيف القدرات الاستخبارية في تشخيص مراكز الثقل العملياتي داخل القواعد الأمريكية واستهدافها بدقة.

- فرض معادلة "الردع الممتد" لحماية الساحة اللبنانية وتقييد حرية المناورة الإسرائيلية خارج نطاق الأراضي المحتلة.

- كسر فرضية الحسم الغربي السريع، وإثبات القدرة على مواجهة الآلة العسكرية الأمريكية دون الانزلاق إلى سيناريوهات الانهيار الشامل.

وفي المقارنة بين جولتي المواجهة الصاروخية:

- الجولة الأولى (حزيران): انصب التركيز الإيراني الأساسي على العمق الإسرائيلي، مما أظهر انكشاف مراكز الثقل العسكرية والاستخبارية والسياسية للكيان، وأجبر قيادته على التراجع عن أوهام إسقاط النظام وطلب التهدئة عبر واشنطن بعد اثني عشر يوماً من الاشتباك.

- الجولة الثانية (حرب رمضان): اتجه الثقل العملياتي الإيراني بالدرجة الأولى نحو تقويض الوجود العسكري الأمريكي، مع توجيه ضربات محددة لأهداف إسرائيلية نوعية كمصفاة حيفا، والتي ظلت تفاصيل خسائرها محجوبة خلف الرقابة العسكرية الصارمة.

التقدير الإسرائيلي، بات الجانب الإسرائيلي يترقب بحذر شديد مآلات المواجهة بعد إدراكه أن سياسة الاغتيالات لم تحسم المعركة، بل خلقت التزاماً إيرانياً برد مكافئ واستراتيجي. وفي ظل تآكل أحزمة الحماية الخارجية وسقوط رادارات الإنذار المبكر في الإقليم، ترى القيادة الإسرائيلية أن المبادرة بالهجمات الاستباقية تمثل خياراً حتمياً لتفادي المباغتة، رغم الإجماع الداخلي حول حتمية التخلص من التهديد الإيراني، مع استمرار الخلاف السياسي حول تحديد أولويات الجبهات بين لبنان، أو إيران، أو إشعال الساحة السورية لفتح ممرات برية مناوئة.

انكشاف النظام العربي والاسلامي – فقدان دول السنتكوم للشرعية والقوة

انكفاء النظام العربي/الاسلامي عن الدفاع عن غزة

وقد أصيبت الدول العربية بانتكاسة استراتيجية حادة نتيجة اصطفافها السلبي ضد المقاومة في غزة ولبنان، مما جرّدها من أدوات التأثير وعزلها سياسياً، بل وضعها في موقع الدفاع نتيجة التورط العملياتي المساند للاحتلال الإسرائيلي في مواجهته مع إيران، الأمر الذي أضعف شرعيتها ومقبوليتها الشعبية بصورة غير مسبوقة، وفي المقابل، فإن الموقف الإيراني يتجه نحو تقليص حجم التوترات المستقبلية مع هذه الدول، مما يزيد من مرونتها في التعاطي مع الرؤية الإيرانية التقليدية الرامية إلى تأسيس منظومة أمن إقليمي مستقلة عن الوصاية الأمريكية.

الشراكات الاقتصادية وتوفير الموارد الأولية للاحتلال

أما بالنسبة لامتلاك دول الخليج قراراً مستقلاً في رسم علاقاتها مع إيران: فالمشكلة، الأساسية تكمن في طبيعة التبعية للقرار الأمريكي، ولا يقتصر الأمر على مجرد الاستئذان لاستخدام القواعد العسكرية؛ إذ إن تلك القواعد تمثل بنية لوجستية وعسكرية مشتركة بتمويل خليجي وإشراف مباشر من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم). والواقع، أن هذه الدول تفتقر إلى القدرة على التقدير الاستراتيجي المستقل، لا سيما بعدما ساد التصور المبسط الذي روّج له دونالد ترامب بإمكانية حسم الصراع سريعاً، في حين يتمايز الموقف العراقي عن هذه المنظومة نظراً لعدم انخراط الجيش العراقي وهيئة الحشد الشعبي في التبعية العسكرية المباشرة لواشنطن.

الشراكة الاستثمارية مع ترامب وتوفير الترليونات

إن الإخفاق في اتخاذ القرار في بداية الحرب، ومشاركة دول الخليج والأردن في هذه الحرب من خلال السماح باستخدام القواعد، ترك آثاراً عميقة جداً على المنطقة؛ إذ إن تقويض البنية الحربية الأمريكية يغيّر جذرياً في أمن الإقليم، مما يجعل هذه الدول بحاجة ماسة إلى نظام أمني بديل. وقد عُقد اجتماع في صلالة بسلطنة عُمان لبحث هذه الترتيبات، غير أنه عُطّل بضغط مباشر من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، سواء كان ذلك بهدف السعي لإخضاع إيران دون تكاليف باهظة أو محاولة فرض اتفاق بشروط مجحفة، وهو مسعى غير قابل للتحقق عملياً، مما أدى إلى حالة من المراوحة السياسية والانتظار دون التوصل إلى حلول ناجعة.

تقلص الدعم الشعبي والنخبوي لدول السنتكوم

إن مستويات التفاهم الإقليمي تتفاوت نسبياً؛ فالنموذج العُماني يتمايز ببراغماتيته، وقد أفرزت حرب غزة معياراً حاكماً جديداً في الوعي العربي والإسلامي؛ إذ إن الانحياز للقضية الفلسطينية يمنح فاعليه مشروعية رمزية وسياسية، بينما أدى الدعم المالي والسياسي المتواصل للتحالف الغربي بعد حرب الإبادة في غزة إلى تآكل خطير في رصيد تلك الأنظمة، وفي المقابل فإن الاستهداف الإيراني المباشر للمنظومة الأمريكية والإسرائيلية أكسبها حاضنة ومقبولية واسعة تجاوزت الخلافات المذهبية والفكرية.

أما مفارقة ركود التضامن في الشوارع العربية مقارنة بالتحركات الشعبية في الغرب، فتعود إلى عوامل بنيوية عدة:

أولاً: سطوة الأجهزة الأمنية القمعية وتجريف المجال العام وتراجع الحريات، فضلاً عن تهجير النخب والفاعلين السياسيين في أعقاب أحداث الربيع العربي.

ثانياً: إدراك المجتمعات الغربية لمسؤولية حكوماتها المباشرة عن تمويل التسليح الإسرائيلي، وشعورها بجدوى الضغط الشعبي في إحداث تحولات انتخابية وسياسية. - ثالثاً: تراكم مشاعر الإحباط واليأس من إمكانية التأثير في القرارات السياسية للأنظمة الحاكمة خشية التصفية والملاحقة الأمنية.

أن المشاعر الجمعية للشعوب العربية تجلت بوضوح في مظاهر الابتهاج التي اجتاحت منصات التواصل الرقمي إثر تساقط الصواريخ على الأهداف الإسرائيلية في تل أبيب، غير أن العجز عن ترجمة ذلك التفاعل إلى حراك ميداني يعكس أزمة مركبة في البنى الفكرية والتنظيمية والقيمية للمجتمعات العربية.

تراجع التفاعل الدولتي والعمومي مع دول السنتكوم/الخليج

إمكانية الوصول إلى توازن قوى مستقر في المنطقة بموافقة واشنطن حين يترسخ اليأس الأمريكي من إمكانية تعديل النتائج العسكرية على الأرض، حيث سيتجه صانع القرار الأمريكي إلى تقليص خسائره عبر إدارة توازن إقليمي غير مباشر وتوظيف شبكة النفوذ والعلاقات الاقتصادية مع دول الخليج.

صعود اليمن ومسار التحرر – الحرب على البترودولار والدور الخليجي

تميز الموقف اليمني بوجود انسجام وثيق بين القيادة السياسية والإرادة الشعبية، مدفوعاً بحالة من التعبئة القرآنية والأخلاقية التي دفعت بالملايين إلى الساحات، متزامنة مع فعل عسكري استراتيجي عطل الملاحة في ميناء أم الرشراش (إيلات) لأكثر من عام، مما وجه ضربة قاسية للاقتصاد والأمن الإسرائيليين. واستفاد اليمن من مسارات تبادل الخبرات التكنولوجية والتكتيكية داخل محور المقاومة، محققاً تأثيراً عملياتياً فارقاً عبر الاشتباك المباشر مع حاملات الطائرات والقطع البحرية الأمريكية، انطلاقاً من قاعدة أن استنزاف القوة الأمريكية يمثل تقويضاً مباشراً للقدرة الإسرائيلية.

ورغم المحاولات الإسرائيلية المدعومة إقليمياً لعزل الجبهات، إلا أن الترابط الاستراتيجي بين الساحات ظل قائماً؛ فتقويض الهيمنة الأمريكية ومصالح الطاقة يصب مباشرة في المعركة التحررية الشاملة، كما أن انكفاء واشنطن عن شن عمليات واسعة في اليمن يعود أساساً إلى معادلة الردع التي رسختها الحرب مع إيران واستهداف قواعدها وتعطيل مسارات الملاحة في مضيق هرمز.

ويستمر التنسيق الاستخباري والتكتيكي ضمن إدارة مرنة تبتعد عن المركزية الصلبة، مما أتاح للجانب اليمني استثمار التغيرات الناجمة عن المواجهة مع إيران للتحرر من قيود الهيمنة الدولية، مستفيداً من انشغال القيادة الأمريكية، واضطراب خطوط الملاحة في مضيق هرمز، وتدمير المنظومات الدفاعية للخصوم، وهو ما أتاح للصواريخ والمسيرات اليمنية تحقيق إصابات دقيقة.

تحولات سوريا والموقع التركي – العقدة التركية وإفشال الحرب الصهيونية

المتغيرات الجيوسياسية في الساحة السورية والأطماع الإسرائيلية

تنبيه: ما حصل في سوريا بعد وقف إطلاق النار في لبنان مباشرة لم يكن محض صدفة، بل جاء نتيجة اهتراء طويل الأمد في بنية النظام بعد عام 2018 وعجزه عن إدارة الأزمات الناتجة عن الحرب، بالتزامن مع وجود مخطط إقليمي ودولي استغل اختلال موازين القوى في المنطقة وشن هجوماً واسعاً وصل سريعاً إلى دمشق في غضون أيام قليلة. وقد اتضح لاحقاً أن هذا البرنامج الإقليمي كان يستهدف قضم جزء كبير من المنطقة الغربية في سوريا.

وعند النظر إلى التوقيت، ففي تمام الساعة الرابعة فجراً أُعلن وقف إطلاق النار في لبنان، وتحديداً بحسب المصادر الإعلامية، وفي تلك اللحظة عند الساعة الرابعة والنصف بدأ إطلاق النار على حدود إدلب وحلب.

أن هذا التزامن يدل على وجود رؤية مفادها أن هناك فرصة واختلالاً في موازين القوى في المنطقة لتعديل الوضع في سوريا بقرار إقليمي ودولي وأمريكي وتركي بشكل رئيسي، حيث ساد الاعتقاد بأن النظام أصبح بلا مساندة من إيران وحزب الله ومحور المقاومة، مما يجعله في موقع ضعف يحتم على القوى المناوئة له استغلال الفرصة والمبادرة بالهجوم.

المشكلة الأساسية، أعمق من ذلك بكثير، والسبب في وصول الأمور إلى هذه الدرجة هو أن النظام فقد بعد عام 2018 الرؤية لكيفية إدارة أزمات الحرب وآثارها على المستويات الاقتصادية والأمنية وغيرها، ولم تكن لديه رؤية للتعامل مع نتائج الصراع وترميم الخسائر، وسقوطه خلال أيام معدودة أظهر غياب البنية اللازمة والقرار الحاسم للتعامل مع الأزمة الأمنية التي نشأت في إدلب.

التدخل الصهيوني لحظة السقوط واستمرار القضم

أما بخصوص التدخل الإسرائيلي، فإن إسرائيل تدرك أن التحرك الذي حصل في شمال سوريا يرعاه الجانب التركي، وليس لإسرائيل وكيل مباشر داخل سوريا، باستثناء نفوذ وتأثير معين في السويداء. إلا أن بعض القوى التي عملت في الجنوب السوري تلقت دعماً نارياً إسرائيلياً في بعض العمليات، وترى إسرائيل مخاطر متعددة في انفجار الجغرافيا السورية ودخول قوى خارجية أو وصول قوى المقاومة إلى الجنوب، لكنها ترى في المقابل فرصاً للسيطرة على الأراضي والمياه، ولذلك أعدت منذ اللحظة الأولى برنامجاً لبناء نفوذ جديد لها هناك.

الملاحظة الأولى، إن حجم هذا النفوذ لا يزال محدوداً؛ إذ كان لدى الاحتلال مشروع للربط من الجولان نحو المسار الكردي في المنطقة وهو ما أفشلته تركيا، كما كان لديهم مشروع لاستخدام الساحة السورية منطلقاً لاستهداف إيران، فضلاً عن مشاريع يروجون لها إعلامياً عبر دعاوى وتبريرات تاريخية لتشريع وجودهم، وهم يمتلكون حالياً شريطاً وقدرة نارية تمتد إلى الشمال السوري، وتتزايد هذه التحركات باستهداف المطارات والتحليق المستمر للطيران المسيّر، حيث يرى الإعلام الإسرائيلي أن العمليات في سوريا قد تمثل الخيار الأقل كلفة سياسياً وعسكرياً لنتنياهو قبيل الانتخابات.

التنازع الصهيوني/التركي على سوريا والأكراد ومستقبل المواجهة

إن وصول الصواريخ اليمنية إلى أهدافها دون عوائق دفاعية يطرح تساؤلاً جوهرياً حول الموقف التركي؛ فبينما استهدفت إيران مضيق هرمز واستهدفت صنعاء باب المندب إسناداً للحق الفلسطيني، أحجمت تركيا عن اتخاذ خطوات عملية مماثلة رغم خطابها السياسي المحتضن لحركة حماس. والجواب: أن الاستراتيجية التركية تفضل تحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية دون التورط في أي مخاطرة أمنية مباشرة، وهو ما صرح به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالتأكيد على سعي بلاده لتكون الطرف الأكثر استفادة تجارياً وسياسياً من مخرجات الصراع.

يقوم الموقف التركي على الفصل غير المنطقي بين النشاط التجاري والاقتصادي مع الكيان الإسرائيلي وبين الخلافات السياسية في مسارح أخرى، وهو سلوك يفتقر إلى الاتساق والشرعية؛ إذ لا يستقيم الادعاء بالاصطفاف مع الشعب الفلسطيني في وقت يستمر فيه تدفق المواد اللوجستية ووقود الطائرات إلى آلة الحرب الإسرائيلية، مما سيفرض كلفة سياسية باهظة على أنقرة في المدى المنظور.

والحاصل، أن إسرائيل واجهت إرباكاً ملموساً نتيجة بعض السياسات التركية أثناء الحرب مع إيران؛ نظراً لكون أنقرة شكلت حاجزاً جيوسياسياً حال دون تفعيل الملف الكردي في العمق الإيراني، وعرقلت توظيف بعض الفصائل المسلحة داخل الأراضي السورية، الأمر الذي دفع نخب الاحتلال لاعتبار الجغرافيا التركية عقبة استراتيجية أمام حسم المواجهة في لبنان وإيران، وهو ما عبر عنه نفتالي بينيت بتصريحه العلني في اليوم الثاني من الحرب بأن الدور سيطال تركيا مستقبلاً.

الجيوبوليتيك السوري واسرائيل الكبرى: محددات الاستمرارية

أما بالنسبة للتحولات السياسية في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى سدة الحكم في دمشق: فالمشكلة، أن هذا التحول أفرز تحديات استراتيجية معقدة وإن كانت امتداداً لمحددات جيوسياسية وتاريخية سابقة؛ فسوريا تظل محكومة بضرورات الجغرافيا والتركيبة الديمغرافية، ولا تزال تواجه الاحتلال الإسرائيلي كمهدد وجودي في ظل انقسام داخلي وتداعيات اقتصادية وأمنية مزمنة، ورغم المكاسب النسبية التي حققتها تركيا أمنياً واقتصادياً، فإن المخاطر الهيكلية لا تزال تحيط بالدولة السورية.

والملاحظة: أن التوغلات العسكرية الإسرائيلية في الجولان والجنوب السوري تفصح عن مطامع توسعية متجذرة تسعى لاستغلال الموارد المائية والأراضي الخصبة، مستندة إلى أساطير ونصوص تاريخية تزعم الحق في أراضي الجولان وباشان. وتسعى استراتيجية الاحتلال إلى تفكيك وحدة الجغرافيا السورية من خلال محاولات استمالة المكون الدرزي وتوظيف الورقة الكردية، انطلاقاً من مصلحتها في إبقاء سوريا كياناً مجزأً، في حين تكتفي أنقرة بإجراءات وقائية محدودة دون الانخراط في ردع مباشر للاعتداءات الإسرائيلية.

والخلاصة، أن الدولة السورية باتت ملزمة بإعادة بناء وتطوير عقيدتها وقدراتها العسكرية لمواجهة التآكل في سيادتها وهيبتها الوطنية جراء الغارات اليومية واستهداف المطارات، وهو ما تسعى إسرائيل لعرقلته بشتى السبل، وقد تجلى هذا الإدراك في خطاب الرئيس أحمد الشرع في الأمم المتحدة بالتأكيد على مجابهة العدوان وضرورة استعادة الجولان المحتل.

أما بخصوص إعلان إسرائيل الوصاية على المكون الدرزي: فالواقع، أن الاحتلال يوظف شبكة العلاقات القديمة مع دروز فلسطين والجولان لتنفيذ مشروعه القائم على تجزئة الكيانات المحيطة واستغلال التمايزات الإثنية والمذهبية، وهو النهج ذاته المتبع في التعاطي البراغماتي مع المسألة الكردية لتحقيق مآربه الاستراتيجية.

تكريس الإنقسام الداخلي الصهيوني – مشروع عزل نتنياهو

استمرار النزاع حول شخص نتنياهو

لا توجد أبحاث استشرافية داخل مراكز التفكير الإسرائيلية ترجح هزيمة الكيان أو انكساره في هذه المواجهات، بل تسود تعبئة عامة تدعو للحسم المطلق، يرافقها نقد لأداء القيادة بسبب العجز عن بلوغه، ويُعزى هذا التعثر إما إلى سوء الإدارة، أو لشخص نتنياهو، أو لكفاءة الأطراف المقابلة، دون وجود أي نقاش جدي يدعو للتردد في خوض الحرب أو التراجع عنها.

وبعد انقضاء ثلاث سنوات على عملية طوفان الأقصى، يعيش الكيان الصهيوني عزلة دولية مطبقة مع صدور مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو من المحكمة الجنائية الدولية، بالتوازي مع تصاعد المطالبات الداخلية بتشكيل لجنة تحقيق رسمية يتهرب منها نتنياهو لكونها ستقضي على مستقبله السياسي، في حين لا يمانع قادة المؤسسة الأمنية السابقون من الخضوع لها لعدم امتلاكهم تطلعات سياسية راهنة.

والخلاصة، لقد غيّر النجاح الميداني الواسع لعملية السابع من أكتوبر الحسابات كافة، فإسرائيل اليوم تشهد انقساماً حاداً، إذ كان المفترض بأي قيادة تحقق إنجازات عسكرية أن تُتوج سياسياً، غير أن الصراعات الحزبية السابقة جعلت المعارضة توجه سهامها نحو بنيامين نتنياهو، ووقع قادتها بياناً مشتركاً يحدد هدفهم الأساسي بمنعه من البقاء في السلطة، في ظل استمرار ملاحقته القضائية التي جرى تجميد جلساتها مؤخراً بتسويات غير معلنة بعدما كان يقضي جزءاً من وقته أسبوعياً في المحكمة بالتزامن مع إدارته للحرب.

ويرتبط تسريب معلومات التحذيرات الإقليمية بمساعي أطراف دولية وإقليمية للحد من ارتهان القرار العسكري لحسابات نتنياهو الشخصية وأزماته القضائية، لا سيما بعدما أدت سياساته إلى توسيع رقعة المواجهة مع إيران، مما دفع قوى غربية وإقليمية لفتح قنوات اتصال مع شخصيات إسرائيلية بديلة كغادي آيزنكوت تحضيراً للمرحلة السياسية المقبلة.

هل يُحتمل أن ينقلب الداخل الإسرائيلي على نتنياهو ويغتاله، قياساً على واقعة اغتيال إسحاق رابين؟ فالجواب، إن هذا الاحتمال مستبعد في ظل معركة وجودية وحرب متعددة الجبهات، إلا في حال طروء ظرف استثنائي مفاجئ، لا سيما مع تنامي هواجسه الأمنية ودخوله إلى الكنيست بحراسة مشددة.

إجراءات نتنياهو في إدارة الصراع الداخلي

إن نتنياهو استطاع توظيف متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي لخدمة مصالحه الشخصية والبقاء في السلطة، إلا أنه يتحمل مسؤولية الفشل وسوء التقدير الاستراتيجي؛ إذ تجاهل التحذيرات الصادرة عن شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) التي أكدت مسبقاً عدم جدوى المغامرة العسكرية ضد إيران، واندفع في الحرب متكئاً على الدعم السياسي لإدارة ترامب.

وإسرائيل، بوصفها كياناً محاطاً ببيئة معادية، ترى ضرورة مستمرة لمواجهة هذه التهديدات، غير أن نتنياهو يُلام على التسرع وسوء التقدير؛ كما ظهر جلياً في تقارير شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) التي حذرت من عجز الحرب على إيران عن تحقيق أهدافها، إلا أنه اندفع مستغلاً فرصة الحضور السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

أما الموقف، حيال إعلان إيران لزوم القصاص من نتنياهو نظير الجرائم المرتكبة، فهو مسار رسمي معلن يشمل كذلك القائمة المسؤولة عن الاغتيالات وشن العدوان واستهداف المدنيين؛ وتمتلك إيران القدرة النظرية على تنفيذ ذلك، غير أن المسألة، محكومة ببعدين رئيسين: - بُعد استراتيجي: يرتبط بصناعة القرار، واختيار التوقيت الملائم، وتقدير ردود الفعل الإسرائيلية وتداعياتها. - بُعد استخباري: يتصل بآليات الرصد وتحديد النطاق الجغرافي لتواجده بدقة.

والشاهد، ما تجلى في استهداف منزل نتنياهو في قيسارية؛ إذ سعت المقاومة في لبنان إلى القضاء عليه، وتشير المعطيات إلى وجوده داخل المنزل آنذاك، غير أن التحصينات والزجاج المصفح حالا دون إصابته.

دور نتنياهو في استمرار الحرب وتأثير ذلك على الكيان

الملاحظة الجوهرية، إن استمرار الحروب مرتبط جزئياً بمستقبل نتنياهو السياسي، ولكنه ليس العامل الوحيد؛ إذ توجد محددات ترتبط بالتهديدات الفعلية وتنامي قدرات محور المقاومة، وما آلت إليه الوقائع في لبنان وإيران واليمن وسوريا والعراق يبرهن على أن النتائج تسير في اتجاه معاكس لرغبة نتنياهو؛ فبينما يدعي سعيه لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، فإن التحولات الراهنة قد تفضي إلى إقليم متحرر من الهيمنة والنفوذ العسكري الأمريكي، محكوم بموازين قوى جديدة ترسيها قوى المقاومة.

والقاعدة العسكرية، أن العمليات غير الحاسمة تسهم في تطوير قدرات الخصوم ومضاعفة خطورتهم؛ فقد كان نتنياهو يسعى إلى الحسم والاستئصال التام، غير أنه بات يواجه تعقيدات ميدانية وسياسية متشابكة في الساحات كافة.

فإن قيل، متى يقر نتنياهو بالهزيمة؟ قلنا، يتحقق ذلك حين يُقضى عليه بفعل مواجهة مباشرة مع إيران.

أفق الحرب

والنتيجة، أن إسرائيل، بعد انقضاء ثلاثة أعوام على انطلاق طوفان الأقصى، تتعرض لاستنزاف تدريجي تراكمي؛ ورغم أن الاستنزاف لم يصل بعد إلى شل الاقتصاد بصورة كلية، أو تفريغ مستودعات الذخائر واستنفاد العديد البشري، إلا أنه يتغلغل في مسارات استراتيجية أخرى تشمل تآكل العلاقات الدولية، وتراجع الالتزام الغربي بالدعم العسكري المباشر والتسليح، وتفكك بنية الدفاعات الإقليمية المحيطة، بينما لم يبلغ الاشتباك مرحلة استهداف البنية العميقة للكيان بعد تركز الضربات على المنظومات الحامية.

لكي تستعيد المقاومة في غزة قدرتها على فرض تهديد يمكنها من العودة لمعادلات ما قبل السابع من أكتوبر وشن عمليات واسعة، فإنها بحاجة إلى عمق وإسناد إقليمي يحول دون انفراد العدو بها، في ظل الحصار المشدد المفروض على التسليح والإمداد، ومع بقاء بنية المقاومة قوية وفاعلة داخل القطاع، تتسع فرص التأثير عندما تتكامل الأدوار ضمن المحور.

والمفارقة، أن أثقل الخسائر التي تكبدتها إسرائيل تمثلت في تهاوي صورة الردع العسكري والتفوق الميداني، يضاف إليها الإخفاق الاستخباري الاستراتيجي؛ إذ لطالما اعتمد الكيان على تفوقه الاستخباري صمامَ أمان يعوض أي تعثر عسكري، فغدا انكسار هذه المنظومة العلامة الفارقة في هذا الصراع.

والحاصل، أن المقاومة، على الرغم من حجم التضحيات وفقدان القادة والكوادر في سياق هذا المسار التحرري، حازت مكاسب استراتيجية متعددة:

- إثبات عجز التحالف الأمريكي الإسرائيلي عن تصفية حركات المقاومة في مواجهة شاملة.

- ترسيخ القدرة على الصمود الميداني وإعادة الهيكلة والتعلم السريع في الجبهات كافة.

- تقويض المنظومة الوظيفية للوجود العسكري الأمريكي في الإقليم. - التحكم في المسار العام للمواجهة على مدى ثلاثة أعوام بما يخدم التراكم الاستراتيجي.

والخلاصة، يصعب في هذا التوقيت القطع بمآل المنطقة بين تسوية شاملة أو حرب كبرى؛ فالأطراف كافة تسودها حالة من الترقب، في حين تعاني الإدارة الأمريكية من التردد وكثرة القيود، بينما يسعى محور المقاومة لكسب الوقت، ويبقى الطرف الإسرائيلي الأكثر اضطراراً للمبادرة الاستباقية لتفادي تنامي مخاطر المحور المتصاعدة مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.

نشرة بيروت تايم

خدمة الاشتراك لم تُطلق بعد. سيظهر التسجيل هنا عند ربط خدمة النشرة.